محمد عبد الرحمن – أبو امجد
موضوعات الدراسة
- أولا: مدخل عام وموجز
- حقوق الملكية الفكرية: المفهوم، الأهمية، أليات الحماية.
- ثانيا: حماية حقوق الملكية الفكرية في التشريعات اليمنية: النشأة والمسار.
- ثالثا: حماية حقوق المؤلف في القانون اليمني
- رابعا: التحديات والاشكالات.
- خامسا: المقترحات والتوصيات.
((1))
أولا: الملكية الفكرية
مدخل عام
سنتناول وبشكل موجز في هذه الجزئية من الدراسة بيان الملكية الفكرية من حيث مفهومها وأقسامها وأنواعها، وما هي الحماية القانونية للملكية الفكرية وكيف نشأت وما أهمية حماية حقوق الملكية الفكرية، وما هي الآلية الدولية المختصة بحماية حقوق الملكية الفكرية… إلخ؟؟
1. مفهوم الملكية الفكرية.. أقسامها، أنواعها:
الملكية الفكرية مصطلح قانوني يقصد به حقوق الإنسان فيما ينتجه من إختراعات علمية وتقنية وتجارية، وإبداعات ادبية وفنية وغيرها من نتاجات الفكر الإنساني. وهناك صياغات متعددة لمفهوم الملكية الفكرية، نذكر هنا بعضاً منها:
الملكية الفكرية هي نتاج فكر الإنسان من إبداعات وابتكارات مثل الاختراعات الصناعية، والعلامات التجارية، الكتب، الرموز، الأسماء.(1) وعرفها “لويس هارمس” بأنها حقوق ملكية فكرية معنوية وغير ملموسة أو حقوق في الأفكار (2).
وعرفتها منظمة التجارة العالمية بأنها (الحقوق التي تُعطى للبشر على منتجات إبداعاتهم الذهنية).
المركز المصري للملكية الفكرية وتكنولوجيا المعلومات يعرف الملكية الفكرية على أنها (كل ما ينتجه ويبدعه العقل والذهن الإنساني.. فهي الأفكار التي تتحول أو تتجسد في أشكال ملموسة يمكن حمايتها، وتتمثل في الإبداعات الفكرية والعقلية والابتكارات مثل الاختراعات والعلامات والرسوم والنماذج وتصميمات الدوائر المتكاملة والسلاسل النباتية، وحقوق المؤلفين) (3).
وتقدم المنظمة العالمية للملكية الفكرية “الويبو” في المادة 2 من اتفاقية إنشائها تعريفاً إجرائياً للملكية الفكرية بأنها تشمل:
المصنفات الأدبية والفنية والعلمية – منجزات الفنانين القائمين بالأداء والفنون – أصحاب التسجيلات وبرامج الإذاعة والتلفزيون – الاختراعات في جميع مجالات الاجتهاد الإنساني – الاكتشافات العلمية – الرسوم والنماذج الصناعية – العلامات التجارية وعلامات الخدمة والأسماء والسمات التجارية – الحماية من المنافسة غير المشروعة (4).
أقسام الملكية الفكرية:
تنقسم الملكية الفكرية إلى قسمين رئيسين هما:
- الملكية الفكرية – الصناعية والتجارية:
وتشمل الاختراعات العلمية والعلامات التجارية والتصاميم الصناعية والمؤشرات الجغرافية.. إلخ.
- الملكية الفكرية – الثقافية:
وتشمل المصنفات الفنية والأدبية والعلمية، ويطلق عليها “حقوق المؤلف والحقوق المجاورة”.
وهناك من يرى بأن الملكية الفكرية تقسم تقسيماَ ثلاثيا يشمل: الملكية الأدبية والفنية، والملكية الصناعية، والمصنفات الرقيمية. ((إنظر نرجس صفو ” الحماية القانونية للملكية الفكرية في البيئة الرقمية. _2016ص.1″.))
أنواع حقوق الملكية الفكرية:
حقوق الملكية الفكرية هي الحقوق والامتيازات القانونية التي تمنح للمخترع أو المبدع لحماية أعماله الفكرية في العلوم والآداب والفنون وغيرها، وتمنح هذه الحقوق القانونية المخترع أو المبدع أو من ينوب عنه الحق الحصري في استغلال اختراعه أو إبداعه لفترة زمنية محددة (للحقوق المالية.. وأبدية للحقوق المعنوية)، وهي نوعان:
حقوق أدبية.. “معنوية”: وهي حقوق أبدية لا تسقط بالتقادم، تعني نسب الاختراع أو العمل الإبداعي للمخترع والمبدع.
حقوق مالية: وتحدد عادة بفترات زمنية محددة (20 عاماً بالنسبة للاختراعات العلمية، و50 عاماً للأعمال الإبداعية الأدبية والفنية، أي لحقوق المؤلف).
الفرق بين حقوق الملكية الفكرية (الصناعية والتجارية) وحقوق الملكية الفكرية (الثقافية – حقوق المؤلف):
(1) حماية حقوق الملكية الفكرية الصناعية:
- تحمي “الفكرة” سواءً تجسدت في منتج ملموس أو لم تتجسد.
- تمنح المخترع حقاً احتكارياً في استغلال فكرته.
- مشروطة بالتسجيل والإشهار، والحصول على براءة الاختراع.
- محددة زمنياً بعشرين عاماً.
(2) حماية حقوق المؤلف:
تحمي “أشكال التعبير عن الفكرة أو الأفكار” وليس الفكرة أو الأفكار بذاتها، ولكن لا بد أن يكون شكل التعبير إبداعاً أصلياً من المؤلف.
يمكن لمؤلف آخر أو مؤلفين آخرين إنشاء مصنف آخر “مشابه للغاية” لمصنف مؤلف أو مبدع آخر، والحق في استغلاله دون أن يعد ذلك تعدياً على حق المؤلف، شريطة عدم نسخ مصنف ذلك المؤلف أو المبدع.
ليست مقيدة ومشروطة بالتسجيل والإشهار.
محددة زمنياً بخمسين عاماً بالنسبة للحقوق المالية، وأبدية للحقوق الأدبية.(5)
2. نشأة الحماية القانونية لحقوق الملكية الفكرية وأهميتها:
تعد الملكية الفكرية إحدى أشكال الملكية. وإذا كان قد وجد عبر مراحل التاريخ المختلفة أنظمة معينة لحماية حقوق الملكية، إلا أن الحماية القانونية للملكية الفكرية برأي البعض قد بدأت في عصر النهضة الأوروبية وتحديداً في القرن الخامس عشر في مدينة البندقية بإيطاليا (6)، بينما يرى البعض الآخر من المهتمين بأن حماية حقوق الملكية الفكرية قديمة قدم وجود الإنسان على الأرض، وأن الحضارات القديمة (مثل حضارة ما بين النهرين، والحضارة المصرية، واليونانية.. إلخ) قد عرفت المفاهيم الأساسية للملكية الفكرية، وهو ما أدى إلى تطور الإنتاج الذهني عبر العصور (7).
وفي العصور الحديثة، وتحديداً منذ عصر النهضة الأوروبية في القرن الرابع عشر، تزايدت وبصورة كبيرة وهامة قضايا الاهتمام بالحماية القانونية لحقوق الملكية الفكرية، ولعبت عوامل كثيرة للدفع نحو هذا الاهتمام، أهمها:
ظهور الطباعة (اختراع الأحرف المطبعية المنفصلة وآلة الطباعة) عام 1440م.
قيام حركة النهضة الأوروبية ابتداءً من القرن الرابع عشر وما صاحبها من الاهتمام والاتساع الكبير في أعمال التأليف والمنتجات الفنية والاختراعات العلمية.
قيام الثورة الصناعية في أوروبا في القرن الخامس عشر.
لقد مرت عملية الحماية القانونية لحقوق الملكية الفكرية بمراحل تاريخية متعددة: بدات على شكل فردي أي على المستوى الوطني للدول. وكان أول تشريع قانوني وطني لحماية حقوق الملكية الفكرية قد صدر في مدينة البندقية بإيطاليا سنة 1474م (8)، ثم قانون “آن” (Queen Anne) لسنة 1709م في إنجلترا كأول وأشهر قانون لحماية حقوق المؤلفين (9). وتلا ذلك قيام العديد من الدول المتقدمة بسن التشريعات الوطنية، حيث ظفر التشريع الفرنسي بأسبقية إقرار حماية المخترعات، وفي الولايات المتحدة الأمريكية احتل المفهوم أهمية كبيرة منذ عام 1870م بصدور قانون 1931م (10).
غير إن الاتساع الكبير في حركة التأليف والترجمة والنشر والاختراعات العلمية وتشابك المصالح الدولية فرض الحاجة لوجود تشريعات دولية لحماية حقوق الملكية الفكرية. وكان القرن التاسع عشر هو البداية الفعلية لظهور هذه التشريعات:
عام 1883م: اتفاقية باريس لحماية حقوق الملكية الصناعية.
عام 1886م: اتفاقية “برن” لحماية حقوق المصنفات الأدبية والفنية.
عام 1891م: اتفاقية مدريد لمنع بيانات تصدير السلع الزائفة (11).
وشهد القرن العشرون تصاعداً ملحوظاً للاهتمام بالقضايا الحماية الدولية لحقوق الملكية:
عام 1948م: صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. فقد أصل ووضع الأساس القانوني العالني لحقوق الملكية الفكرية. إذ نصت(المادة( 27) على حق كل شخص في حماية المصالح المعنوية والمادية المترتبة على أي إنتاج علمي أو أدبي أو فني من صنعه (12).
عام 1966م: صدور العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. فقد جاء ليؤكد على الإلتزام الدولي بحماية هذه الخقوق. فقد اكدت (المادة (15) على ما يلي: ( تقر الدول الأطراف في هدا العهد بأن من حق كل فرد. _أن يفيد من حماية المصالح المعنوية والمادية الناجمة عن أي اثر علمي أوفني او أدبي من صنعه).(13)
وخلال النصف الثاني من القرن العشرين صدرت الكثير من الاتفاقيات: (الاتفاقية العالمية لحقوق التأليف 1952، اتفاقية روما 1961، اتفاقية جنيف للتسجيلات الصوتية 1970، اتفاقية اليونسكو 1970، اتفاقية براءات الاختراع الأوروبية 1973، اتفاقية إنشاء الويبو 1979، اتفاقية جنيف للمصنفات السمعية والبصرية 1989، اتفاقيتا الويبو لحقوق المؤلف والأداء 1996، اتفاقية منظمة التجارة العالمية “تربس” 1994.. إلخ). واتفاقية مدريد لتفادي الازدواج الضريبي على عائدات حقوق المؤلف….. والخ) كما شهد القرن العشرين تأسيس ألية دولية لحقوق الملكية الفكرية الفكرية ممثلة بالمنظمة العالمية للملكية الفكرية “ويبو” عام 1970.(14)
أما في العالم العربي، فلم تظهر قضايا الاهتمام بحماية حقوق الملكية الفكرية إلا حديثاً، وكان أول تشريع خاص هو “قانون حق التأليف العثماني” الصادر عام 1910م (15). وفي عام 1986م أقرت الدول العربية “الاتفاقية العربية لحماية حقوق المؤلف”.
أهمية الحماية القانونية لحقوق الملكية الفكرية:
لحمايةحقوق الملكية الفكرية اهمية كبيرة في التقدم العلمي والإبداع الأدبي والفني، وتعد معياراً لقياس تقدم المجتمعات اقتصادياً وثقافياً، حيث تؤدي إلى:
حماية حقوق المؤلفين وفناني الأداء وأصحاب التسجيلات من السطو والاعتداء، وتمكنهم من الاستفادة من نتاجاتهم الإبداعية وتشجيع الإبداع الإنساني.
حماية حقوق المخترعين والمكتشفين وتمكينهم من الاستفادة من ابتكاراتهم واختراعاتهم العلمية وتشجع على الاختراعات.
تشجيع الاستثمارات الاقتصادية.
المساهمة في التطور والتنمية الاقتصادية المستدامة
3. منظمة الويبو كهيئة دولية متخصصة في حماية حقوق الملكية الفكرية:
المنظمة العالمية للملكية الفكرية والمعروفة اختصاراً بـ “الويبو” (WIPO) هي هيئة عالمية تابعة للأمم المتحدة تختص بحماية الملكية الفكرية. وقد انطلقت بعد انعقاد مؤتمر باريس للملكية الصناعية في 1833 ومؤتمر حماية المصنفات الأدبية والفنية، الموقّع في سنة 1886.
تأسست فعلياً بموجب اتفاقية إنشائها الموقعة في السويد بتاريخ 14 يوليو 1967م، والتي دخلت حيز النفاذ في 26 أبريل 1970م (وهو اليوم العالمي للملكية الفكرية).
عام 1974م صارت عضوة في هيئة الأمم المتحدة.
المقر الرئيسي: جنيف / سويسرا.
عدد الأعضاء حالياً: 193 دولة.
مهمتها: تعمل المنظمة من أجل حماية حقوق الملكية الفكرية الفردية للأفراد، وتعتبر المنتدى العالمي للخدمات والسياسة العامة والتعاون والمعلومات في مجال الملكية الفكرية، وإرساء نظام دولي متوازن للملكية الفكرية، وتقديم المساعدة للحكومات والشركات للانتفاع بها في التنمية.
لدى المنظمة برامج للتعاون وتكوين الكفاءات لتمكين جميع البلدان من استخدام الملكية الفكرية لأغراض التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كما أنها أصبحت مصدراً مرجعياً عالمياً للمعلومات بشأن الملكية الفكرية. (16)
الاتفاقيات الدولية التي تديرها المنظمة:
تدير منظمة الويبو 26 اتفاقية ومعاهدة دولية، متصلة بمجموعة واسعة من قضايا الملكية الفكرية، منها ست معاهدات خاصة بحماية حقوق الملكية الفكرية _الثقافية. اي حماية حقوق المؤلف والحقوق المجاورة. وسنقتصر هنا على ايراد الاتفاقيات المتصلة بهذه الحقوق. وهي:
الاتفاقية العالمية لحقوق المؤلف (صيغة باريس 1974).
معاهدة بيجين بشأن الأداء السمعي البصري.
الاتفاقية الدولية لحماية حقوق فناني الأداء ومنتجي التسجيلات الصوتية وهيئات الإذاعة “اتفاقية روما 1961”.
اتفاقية حماية منتجي التسجيلات الصوتية (الفوفوجرامات) ضد النسخ غير المشروع “اتفاقية جنيف 1970”.
معاهدة الويبو بشأن حق المؤلف 1996، ومعاهدة الويبو بشأن الأداء والتسجيلات الصوتية 1996.
معاهدة الويبو بشأن الملكية الفكرية والموارد الوراثية والمعارف التقليدية المرتبطة بها.(17)
يتبع
نشرت في العدد التاسع لمجلة الناصية. يونيو/حزيران 2026
رابط تحميل العدد
https://drive.google.com/file/d/1SYd3yKUGP4bzgbtOouk4HQej9LvqqB1K/view?usp=drivesdk
(*) مدير عام المصنفات والملكية الفكرية بديوان عام وزارة الثقافة والسياحة – عدن. مدير تحرير مجلة الناصية الثقافية.
