سهير السمان

أقطع الطريق المعتادة من منزلنا إلى المدرسة؛ طريق ترابية ترتفع كلما تقدمت خطواتي، وينتشر على جانبيها التين الشوكي. أسير بقدمين شبه حافيتين، وبزيٍّ مدرسي لا يختلف لونه عن لون نبات التين الشوكي. وحين أسير كل يوم إلى المدرسة بين هذا النبات، أشعر وكأنني صبير تين معلّق يوشك أن يقع ذات يوم. ولكني اليوم وقعت في فخ المسائل الحسابية التي لم أستطع حلها يوم أمس، وأعتقد أنني سأنال حصة لا بأس بها من العقاب.

أفكر ألّا أكمل طريقي إلى المدرسة؛ فالعصا في انتظاري وستُلهب كفيّ الباردتين، وقد تتورمان، ولن أستطيع الإمساك بالقلم طوال اليوم. قررت أن أتجول بين هذا النبات الشوكي وأجمع بعضًا منه، فأخذت بعض الأكياس البلاستيكية المنتشرة على الأرض، وغطيت كفي بأحدها لكي لا يلتصق بها الشوك وأنا أجمع الصبير. وعندما امتلأ الكيس، فكرت أن أبيعه أمام بوابة المدرسة بعد خروج الطلاب، كتعويض لي عن يومي المدرسي الضائع.

عدت إلى الطريق الترابية، وحقيبتي المدرسية المصنوعة من القماش على ظهري. لم أشعر بشيء بعد أن اخترقتها رصاصة لتستقر في وسط صدري، وأنا ما أزال ممسكًا بأكياس التين.

يبدو أن وجهتي لم تتغير فقط إلى المدرسة، بل تغيرت لأنتقل إلى مكان مختلف تمامًا. يا له من صباح لم أردد فيه النشيد الوطني، ونجوت من حل مسائل الرياضيات ومن عقاب كان ينتظرني! فكان صوت الطلقة آخر صوت سمعته هذا الصباح.

كان شيئًا مفاجئًا. لم أتعرف إلى قاتلي، وظللت مرميًّا على الطريق، كأنه يرفض مغادرتي. فهل ستعرف الملائكة أنني لست المقصود بتلك الرصاصة؟ هل سيعيدونني إلى فصلي الدراسي؟

لم يأخذوا رأيي في الموت، كما لم يؤخذ حين أتيت إلى هذا العالم. ولم يسألني أحد بماذا كنت أحلم، كأسئلة الدروس التاريخية التي تُلقى علينا دائمًا. والآن، بعد أن تهربت من حل أسئلة الرياضيات، يبقى عليّ الإجابة عن أسئلة أخرى.

هنا، في قبري الصغير الذي وُضعت فيه بالقرب من شجرة التين، لن أرفض الإجابة عن أسئلة الملكين!

– ما اسمك؟

على أي حال، أنتم تعرفون اسمي.

– وعمرك، فيمَ أفنيته؟

– أي عمر؟ ها… تذكرت؛ عشر سنوات فقط، فُنيت فجأة.

كان الملكان يهمسان بشيء لم أستوعبه، ولكنهما قالا لي أخيرًا:

– يبدو أنك جئت إلى هنا عن طريق الخطأ، وما علمناه الآن أن شخصًا آخر يجب أن يكون في مكانك.

فقلت لهما:

– وما يبدو لي أنكما لا تعرفان غير إجابة واحدة في هذا المكان، حفظتماها منذ الأزل. ولكن يجب أن تتقبلا الإجابة المختلفة الآن، وهي أن الموت كثيرًا ما يخطئ هنا.

(*) كاتبة وقاصة، اليمن.

Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *