أبدأ هذا المقال بسؤال: لماذا أصبحنا نسمع عن جرائم هذه الأيام أكثر قسوة، وأكثر وحشية من ذي قبل؟

وهل نحن أمام مجرد ارتفاع في معدلات الجريمة، أم أمام شيء أخطر: تآكل تدريجي في المناعة الأخلاقية للمجتمع؟

للأسف، لقد انشغلنا طويلًا بتعليم الإنسان كيف ينجح، وكيف ينافس، وكيف يحصل على المال والشهادة والمكانة، لكننا لم ننشغل بالقدر نفسه بتعليمه كيف يكون إنسانًا.

علمناه كيف يستخدم التكنولوجيا، ولم نعلمه دائمًا كيف يستخدم عقله.

علمناه كيف يحفظ المعلومات، ولم نعلمه كيف يشكك فيها.

علمناه كيف ينتصر في الجدال، ولم نعلمه كيف يصغي.

علمناه كيف يطالب بحقه، ولم نعلمه كيف يحترم حق الآخر.

ثم نتساءل بدهشة: لماذا يزداد العنف وتتضاعف معدلات الجريمة؟

في وجهة نظري، الجريمة ليست دائمًا ابنة اللحظة التي ارتُكبت فيها، ولا وليدة الغضب الذي سبقها، ولا مجرد انحراف فردي يمكن أن نغلق عليه ملفًا قضائيًا ثم نمضي. فبعض الجرائم تبدأ قبل أن تقع بسنوات؛ تبدأ حين يتشوه وعي الإنسان بذاته وبالآخر، وحين تضيق مساحة الحوار حتى يصبح الاختلاف استفزازًا، والتسامح ضعفًا، والآخر عدوًا لمجرد أنه لا يشبهنا.

ولهذا، فإن السؤال عن ازدياد معدلات الجريمة لا ينبغي أن يتوقف عند: من ارتكب الجريمة؟

بل عليه أن يتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر عمقًا وإزعاجًا: أي بيئة فكرية وأخلاقية أنتجت إنسانًا قادرًا على أن يسلب إنسانًا آخر حقه في الحياة أو الكرامة أو الأمان؟

في الآونة الأخيرة، بدا المشهد الجنائي في مصر أكثر قسوة ووحشية، وأصبحت بعض الجرائم التي نسمع عنها تثير سؤالًا يتجاوز حدود الواقعة ذاتها إلى السؤال عن الإنسان الذي ارتكبها والمجتمع الذي نشأ فيه.

فإن ما يلفت النظر هو حضور العنف في المجال العام والأسري بصورة تثير القلق، وهو ما تناولته تقارير ودراسات ربطت بين الجريمة وعوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية متعددة. لكنني أظن أن ثمة سببًا أعمق كثيرًا لا يحظى بما يستحقه من اهتمام: غياب العقل الفلسفي عن تكوين الإنسان.

فحين يتراجع التفكير، لا يختفي العقل تمامًا، وإنما قد يتحول إلى أداة لتبرير الغضب والتعصب والانتقام.

وحين يغيب السؤال، يصبح الإنسان أكثر استعدادًا لتصديق انفعاله، وحين ينعدم الحوار يصبح العنف لغته البديلة.

اعتدنا أن ننظر إلى الفلسفة باعتبارها ترفًا، مادة علمية تخص الأكاديميين والمتخصصين، بينما الحقيقة أن الفلسفة في جوهرها تدريب للإنسان على أن يفكر قبل أن يحكم، وأن يسأل قبل أن يرفض، وأن يفهم قبل أن يدين.

ومن هنا، فإن غياب الفلسفة ليس غياب مادة دراسية من المناهج فحسب، وإنما هو غياب ثقافة كاملة قوامها التفكير النقدي، واحترام الاختلاف، والقدرة على إدارة الصراع بالحوار لا بالقوة.

الإنسان الذي يتعلم التفكير الفلسفي لا يتلقى الأفكار باعتبارها حقائق نهائية، ولا ينظر إلى المختلف باعتباره عدوًا لمجرد أنه مختلف. إنه يتعلم أن الحقيقة أكبر من زاوية واحدة، وأن الإنسان يمكن أن يخطئ دون أن يفقد إنسانيته، وأن الاختلاف لا يعني بالضرورة الصراع.

وهذا النوع من التفكير يصنع واحدة من أهم المناعات الأخلاقية ضد العنف: القدرة على الاعتراف بإنسانية الآخر.

وربما لهذا ينبغي ألا تكون مواجهة الجريمة مواجهة أمنية وقانونية فقط، بل مواجهة فكرية وتربوية أيضًا.

فالتسامح ليس مجرد فضيلة أخلاقية نطالب الناس بها في الخطب والمواعظ، وإنما هو، في جانب كبير منه، ثمرة لنضج العقل. وكلما اتسعت قدرة الإنسان على التفكير، ضاقت حاجته إلى العنف لإثبات ذاته أو فرض رؤيته.

جزء كبير من العنف الذي نراه في مجتمعاتنا يبدأ من فكرة صغيرة: «من ليس معي فهو ضدي».

وحين تتراجع ثقافة الحوار، يصبح المختلف خصمًا، ثم يتحول الخصم إلى عدو، ثم يصبح التخلص منه، رمزيًا أو اجتماعيًا أو جسديًا، أمرًا يمكن تبريره داخل عقل مغلق.

هنا لا تعود المشكلة في السلوك وحده، وإنما في البنية الفكرية التي أنتجت السلوك.

ولعل علينا أن نذهب أبعد من ذلك، إلى المنطقة التي لا نحب الاقتراب منها كثيرًا: إلى الطريقة التي قدمنا بها تاريخنا وتراثنا لأجيال متعاقبة.

فمن المؤسف أن كثيرًا من نصوصنا وحكاياتنا التاريخية التي تصل إلى الطفل والناشئ لا تقدم الماضي بوصفه تجربة إنسانية تحتاج إلى النقد والتأمل، وإنما بوصفه سجلًا للبطولات والانتصارات، حتى عندما تكون تلك البطولات قد تشكلت فوق جماجم الآخرين.

في بعض الروايات التاريخية، يصبح القتل بطولة، وسفك الدماء شجاعة، والانتقام مجدًا، وإقصاء المختلف انتصارًا للعقيدة أو للجماعة.

السؤال: لماذا ظلت بعض هذه الصور الدموية تعبر القرون إلينا في هيئة بطولة ومجد؟

لا يمكن بالطبع مواجهة الجريمة من دون قانون حازم وعدالة ناجزة. لكن العقوبة تعالج الفعل بعد وقوعه، بينما الوقاية الحقيقية تبدأ من تكوين الإنسان قبل أن يتحول إلى خطر على نفسه وعلى الآخرين.

نحن بحاجة إلى أن نسأل: ماذا يتعلم الطفل في المدرسة عن الاختلاف؟ ماذا يتعلم عن الحوار؟ ماذا يتعلم عن قيمة الإنسان؟ هل يتعلم أن الآخر يمكن أن يكون مختلفًا عنه دون أن يكون عدوًا له؟

نحن بحاجة إلى تعليم لا يكتفي بحشو الذاكرة بالمعلومات، وإنما يبني عقلًا قادرًا على التفكير والنقد والمراجعة.

نحتاج إلى إعادة الفلسفة إلى المدرسة والجامعة والحياة العامة، لا باعتبارها تاريخًا لأسماء الفلاسفة ومذاهبهم، وإنما باعتبارها تربية على التفكير.

مواجهة الجريمة ليست مسؤولية الشرطة والقضاء وحدهما، وإنما مسؤولية مجتمع بأكمله.

نحن بحاجة إلى منظومة متكاملة تبدأ من الأسرة، حيث يتعلم الطفل احترام الآخر، وتمتد إلى المدرسة التي تعلمه التفكير لا التلقين، وإلى الجامعة التي تمنحه القدرة على النقد والحوار، وإلى الإعلام الذي لا يحول العنف إلى مادة للفرجة، وإلى الخطاب الديني والثقافي الذي يعزز الرحمة والكرامة الإنسانية، وإلى مؤسسات الدولة التي تضمن العدالة وتكافؤ الفرص وسيادة القانون.

والأهم من ذلك كله أن نعيد الاعتبار إلى الإنسان بوصفه قيمة في ذاته.

نحتاج إلى طفل يتعلم أن السؤال ليس عيبًا، وليس محرمًا.

نحتاج إلى خطاب ثقافي وديني يضع الإنسان في قلب اهتمامه، فيرسخ قيمة الرحمة والكرامة. نعم، نحتاج إلى مجتمع يعيد اكتشاف معنى الإنسان.

ربما لا تستطيع الفلسفة وحدها أن تمنع جريمة، لكنها تستطيع أن تمنع شيئًا أعمق: أن يصبح العنف طريقة تفكير. فغياب التفكير النقدي لا يترك العقل فارغًا، وإنما يتركه فريسة سهلة للتعصب والانفعال والكراهية.

ولعلنا الآن نحتاج إلى استعادة سؤال غاب طويلًا عن النقاش العام: أين الفلسفة من حياتنا؟

لقد جرى اختزال الفلسفة في كتب جامدة، ومصطلحات أكاديمية، وأسماء فلاسفة تحفظها الذاكرة ثم تنساها، بينما الفلسفة في جوهرها ليست تاريخًا للأفكار بقدر ما هي تدريب للإنسان على أن يكون إنسانًا أكثر وعيًا بذاته وبالعالم.

نحتاج إلى أن نعيد الفلسفة إلى المجال العام، لا باعتبارها مادة دراسية هامشية، وإنما باعتبارها ثقافة للحياة.

نحتاج إلى أن نعلم أبناءنا أن الإنسان لا يصبح قويًا بإسكات الآخرين، وأن الرجولة ليست في البطش، وأن القوة ليست في القدرة على الإيذاء.

ربما لا تستطيع الفلسفة أن تقف في كل لحظة أمام يد تحمل سلاحًا، لكنها تستطيع أن تفعل ما هو أعمق: أن تعمل على بناء عقل لا يرى في الآخر هدفًا للكراهية، وأن تزرع في الإنسان السؤال قبل الحكم، والحوار قبل الصدام، والفهم قبل الإدانة.

الفلسفة لا تمنع اليد من حمل السكين مباشرة، لكنها تستطيع أن تمنع العقل من تحويل الإنسان إلى شيء يستحق الطعن.

وعندما يفقد الإنسان القدرة على رؤية إنسانية الآخر، تصبح الجريمة مجرد خطوة تالية في طريق طويل بدأ منذ اللحظة التي مات فيها الحوار. وحين يتحول الاختلاف إلى تهديد، يبدأ العنف في اتخاذ مكانه.

وأخيرًا، إذا كنا نريد أن نحاصر الجريمة حقًا، فعلينا ألا نطارد الجريمة بعد ولادتها فقط، بل أن نذهب إلى الرحم الذي ولدت فيه: إلى العقل، وإلى التربية، وإلى الثقافة، وإلى منظومة القيم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *