سمير عبدالفتاح

نسّقته كقطعة سردية، مع تنظيم الفقرات، وضبط علامات الترقيم، وحذف التكرار الزائد في النقاط والفواصل من دون تغيير أسلوب الكاتب أو إعادة صياغة النص:

اليدان المتفرعتان من الجسد الضئيل تنسكبان بصمت في الفراغ، وتحطان على أحد قرصي خبز موضوعين على الطاولة، وتقسمانه إلى جزأين غير متساويين. وبعد أن تلفَّ يدٌ الجزء الأكبر من قطعة الخبز بورقة جرائد وتضعها في جيب السترة، تقسم اليد الأخرى قطعة من الخبز من الجزء الصغير، ثم تغمسها في كأس الشاي، وتقطع اليد المسافة بين الكأس والفم بهدوء. وتعاود اليدان أخذ قطع صغيرة من الخبز وغمسها بالشاي.

العينان المحدقتان في الأمام بدون تحديد تُدخلان الخبز وكأس الشاي والطاولة الحديدية القصيرة ضمن الصورة. الجزء الأكبر من الصورة، أمام العينين، احتلته أرضية المقهى الواقع في زقاق مقفل من أحد طرفيه، وتحتل جانبيه مطاعم شعبية. العينان تهتمان بالخبز والشاي بمقدار إرشاد اليدين إلى مكانيهما، وتنحدران للأسفل بحثًا عن تفاصيل غارت في الذاكرة منذ زمن بعيد.

تتحجر الصورة واليدان تعاودان تقسيم الخبز إلى قطع صغيرة وغمسها في كأس الشاي، وتعود الصورة للحركة مع تأكد اليدين من فراغ ورقة الجرائد من الخبز، ومن وضعية الجزء الأكبر من قرص الخبز في الجيب. فينهض الجسد، وتتضح قامته القصيرة، ويميل العنق للأسفل دافعًا العينين للاكتفاء بتحديد بضعة أمتار فقط أمام القدمين، ليتحرك الجسد خارجًا من المقهى.

اليدان المتهدلتان تعبران الزقاق المقفل من أحد طرفيه، والقدمان تأخذان مسارهما بخطوات هادئة رتيبة، كأنهما تنطبقان على مكان خطوات الأيام السابقة. أمام المقهى تنعطف القدمان يمينًا وتدخلان في كوة المقهى، وبدون حوار يُوضع أمام صاحب الجسد الضئيل، على الطاولة المقابلة لأواني صنع الشاي، كأس الشاي.

تمتد اليدان المتهدلتان وتحملان الكأس الممتلئ بالشاي الممزوج بالحليب؛ أصابع اليد اليمنى تحمل الكأس من الأعلى، وراحة اليد اليسرى تسند الكأس من الأسفل. القدمان تختاران طاولة الزاوية البعيدة، الواقعة في مدى عين بائع الخبز، الذي يتناول من الطبق أمامه قرصين من الخبز ويضعهما على الطاولة الحديدية أمام صاحب الجسد الضئيل. ونفس اللغة الصامتة تحكمهما.

يمد صاحب الجسد الضئيل يديه ويقسم أحد قرصي الخبز إلى جزأين غير متساويين، ويضع الجزء الأكبر في جيبه بعد أن يلف قطعة الخبز بورقة. أما القرص الثاني والجزء الصغير من القرص فتقطعهما اليدان، وتغمسان القطع في كأس الشاي. والصور التي تتأملها العينان محصورة في الطاولة الصغيرة، وأرضية المقهى، وتفاصيل الذاكرة القديمة.

الشمس تتخلص من قيظ الظهيرة. بائع الخبز يرتب أقراص الخبز على طاولة كبيرة أمام المقهى في الزقاق المغلق من أحد طرفيه. عامل المقهى يحمل الأكواب الفارغة إلى داخل كوة المقهى، ثم يمسح الطاولات الحديدية من بقايا الشاي الذي انسكب من بعض الأكواب.

المطاعم الصغيرة التي تجاور المقهى تغلق أبوابها بعد انتهاء موعد وجبة الغداء. زبائن المقهى يتغيرون باستمرار، باستثناء حوار طويل بين شخصين.

عينا بائع الخبز تنكسران قليلًا مع لمحه للجسد الضئيل والوجه المليء بالتجاعيد يدخل عبر فتحة الزقاق بخطوات هادئة رتيبة. وبعد أن يمر صاحب الجسد المتهدل من أمامه، يتبعه بعينيه وهو يدخل كوة المقهى، وينتظر حتى يخرج ومعه كأس الشاي ويجلس على الطاولة البعيدة، فيحمل قرصين من الخبز ويضعهما أمامه.

اليد تضع الجزء الأكبر من أحد القرصين في الجيب ليكون وجبة للعشاء، بينما بقية القرص والقرص الثاني مع الشاي يشكلان وجبة الغداء.

الحركة داخل الزقاق المقفل من أحد طرفيه تبدأ بالانحسار مع اقتراب الظهيرة من الانتهاء. أقدام شخصين تقطع المسافة بين أحد المطاعم والمقهى لشرب الشاي. أصوات إغلاق أبواب المطاعم تتوالى. الشمس تنحدر عن المقهى، وصاحب الجسد الضئيل يظهر عند بداية الزقاق.

البرد القادم على عجل يحيط بالجسد الضئيل. البرد الذي غطّى الجو برداء أبيض يردد بأنه لا مكان اليوم لاقتطاع جزء من قرص الخبز للعشاء، وصاحب الجسد الضئيل يعبر الشارع باتجاه الزقاق المقفل من أحد طرفيه.


(*) قاص وروائي يمني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *