عفراء خالد الحريري.

      محامية وناشطة حقوقية

مقدمة:

 لقد أصبحت لدى النساء اليمنيات خبرات متراكمة في قضايا حل النزاع والوساطة والإصلاح الأمني ومسارات السلام المختلفة، وكذلك عن مفاوضات السلام والمرحلة الانتقالية لحياة ما بعد الحرب سوى على المستوى المحلي أو الوطني، إلا انها ماتزال خبرة هامشية وغير معترف بها.

ومن الأمور المحتومة لنشاطات السلام هو البحث والعثور على مساحات للدمج الحقيقي للنِّساء وتمكين مشاركتهن في صنع السلام والامن المجتمعي وتحقيقهما. فمنذ عام 2015م بدأت مجموعة من المنظمات النسوية والناشطات النسويات في اليمن وبمساعدة من الأمم المتحدة للمرأة UNWOMENوالمنظمات الدولية في العمل على تشكيل ودعم وبناء قدرات وصقل مهارات وتدريب وتأهيل المجموعات والتكتلات والفعاليات النسوية في قضايا ومجالات تحقيق السلام والامن على مستويات مختلفة ومن ضمنها السلام والامن المجتمعي وكذلك لمواجهة عقلية الإقصاء لدى النخب السياسية.  

 أنَّ الدروس الصعبة التي تعلمتها النساء اليمنيات في أثناء الحرب وفترة الهدنة لا بد من تحليلها واستخدامها في بناء استراتيجيات جديدة محسَّنة لتفعيل المشاركة النشطة والحقيقية للنساء في عمليات السلام. ويمكن المشاركة بهذه المعارف مع النساء الأخريات في جميع أنحاء البلد وفي أوضاع مماثلة لتجنب الوقوع في الأخطاء ذاتها، كما يمكن النظر بالممارسات الجيدة ووضعها في سياقها الصحيح. وفي الوقت نفسه، تُستَخدَم الفرصة في إيجاد مسارات إنشاء الحركة النسوية القائمة على مبادئ نسوية في اليمن والتي سوف تتمكن النساء من العمل بها وراء سياسات الانفصال والعنصرية العقائدية والمناطقية والطبقية.

 فالإخفاق الذي يحدث دائمًا طيلة السنوات الماضية منذ 2015م، ويمكن تتبع معظمه والمتمثل بأمرين اثنين: أولهما إن السلطة السياسية لم تدافع عن استحقاقات النساء السابقة، والأخران الأحزاب السياسية تتعامل مع عضواتها تكملت عدد، وذلك تجاه التسوية السياسية وفي مجمل قضايا تحقيق السلام والأمن أو حتى تلك التي يكون الغرض منها إنهاء النِّزاع المسلَّح. وهذا التغييب للنساء في عملية السلام الرسمية وفي السلطة السياسية أيضًا تبعات ملموسة على المجتمع ككل وكذلك على النساء بصفتهن مجموعة مكوَّنة للمجتمع وسيكون أثّر التغييب سلبيًا على قدرتهن في كسب الاعتراف بهنَّ على أنَّهن من عوامل التغيير في العمليات اللاحقة.

  •  الموقف الدولي والإقليمي من دور النساء في تحقيق السلام والأمن المجتمعي:

 في كل الفترة التي تم بها تعيين مبعوث أممي لليمن، لم تكن طاولة الحوار بينه وبين اطراف النزاع مفتوحة إلا للرجال المدعومين بسطوة قوة السلاح التي وراءهم، وبحجة ضمان الوصول إلى وقف إطلاق النار أو الهدنة أو خطوات تمهيدية للسلام أو التخفيف من انتهاكات حقوق الإنسان، نجحت هذه الصفوة الذكورية في التوافق على طرق تقسيم السلطة وتقسيم البلاد، واليوم، يعتري البلد الشلل بسبب الإخفاق الوظيفي لجهاز الدولة الهشة والسياسات العنصرية والعقائدية والمناطقية والسياسية الوطنية التي تمثِّل العوامل المشتركة للكيانات الإقليمية التي أنشأتها الاتفاقيات الإقليمية بين ومع اطراف النزاع من المتولين السلطة أو مسيطرين عليها. وبالمقابل لم يكن هناك أي جهد حقيقي من الصفوة السياسية المحلية في إدراج منظور النِّساء في قضايا المجتمعات المحلية سواء في النقاشات المتعلقة بالبرامج والمشاريع وبالإصلاحات أو غيرها على المستوى المحلي، ولم تتمكن النساء من الحصول على الدعم الحقيقي من المجتمع الدولي والإقليمي الذي بإمكانه أن يجعل النساء شريكات في جميع عملية تحقيق السلام والامن، بل ظل المجتمع الدولي والإقليمي يسوقون في تسويغ أفعالهم أعذاراً بأنَّ النساء مشمولات بحكم الأمر الواقع من خلال المشاركة في الحياة السياسية والمؤسسية في اليمن على المستوى المحلي والوطني، بما فيها عضوية الأحزاب السياسية، لكنَّ الحقيقة مختلفة تمامًا، فالنساء لسن شريكات بشكل حقيقي أو ممثلات بما يكفي.

 وعلى الرغم من الدعم الذي قدمته الدول والمنظمات غير الحكومية وعلى الرغم من بدأ العمل بآلية القرار الاممي الصادر من مجلس الأمن رقم 1325 بشأن المرأة والسلام والأمن تستثنى النساء عن محادثات السلام، وليس ذلك تحدٍ للالتزامات الدولية القانونية فحسب، بل هو أيضًا هدر مأساوي. ومع ذلك، عندما طلبت المنظمات النسوية المحلية والدولية اليمنية من المنظمات الدولية والهيئات الدبلوماسية البارزة ومن الأمم المتحدة ومبعوثها ضمان إدماج النساء في مفاوضات السلام وعملية التسوية السياسية والمشاورات بين المملكة العربية السعودية والحوثيين، تلقت المنظمات الرد بأنَّ “الوضع السياسي معقَّد” وكأننا “بالفعل لانعرف ذلك”، لكنَّ الحل ليس في تأبيد كل هؤلاء القادة السياسية” كما يطلق عليهم” أوفي الانقسام المتشظي الذي يقودونه للبلاد والذي سيؤدي إلى نزاع مستمرأو نزاع جديد في المقام الأول، إذ أثبتت الوقائع والتجارب بوضوح أنَّ عمليات ومعاهدات السلام الوحيدة التي جلبت سلامًا مستدامًا هي التي صيغت بمشاركة النساء وراعت إدماج تحليل النوع الاجتماعي في رسم الإطار العام لإنهاء النِّزاع أو المرحلة الانتقالية وتحديد المسار المستقبلي والوساطات المحلية لحل النزاع والمساهمة في مساعدة المجتمعات المحلية.

  •  الوضع الحالي لدور النساء في تحقيق السلام والامن المجتمعي:

 

 في أثناء النزاع واستمراره، تظل النساء مشاركات بفعالية في التصدي لتبعات العنف وفي النشاطات الحيوية المهمة لاستمرار حياة المجتمعات المحلية، ويقدمنَّ المساعدة للنازحين والنازحات ولضحايا النِّساء اللواتي تعرضن للعنف بمختلف أشكاله بما فيها الجنسي، ويذهبن للعمل على الرغم من الخطر وتعرضن لنيران القناصة والقصف لضمان استمرارية عملهن، وعملت بعضهن على الحوار العابر للمجتمعات المحلية في أثناء النزاع ذاته. ومع ذلك، لم يكن هناك أي آلية لمشاركة هذه الخبرات ونقلها إلى المشاورات الرسمية للسلام. أما قرار مجلس الأمن رقم 1325 الذي نادى بتنشيط المشاركة الحقيقية للنساء في جميع مراحل بناء السلام فلم يُتبنَّ إلا الان وفي العاصمة عدن وتحديدًا في القطاع الأمني.

  تستمر النساء في تنظيم أنفسهن، وتطالب بعضهن بمعرفة حقيقة اختفاء أفراد الأسر، في حين تطالب بعضهن بإشراك النساء في السياسة الرسمية. وتقود بعض النسوة عملية صعبة للعودة من الشتات وفَقَدَت كثير منهن أفرادًا من عائلاتهن أو كنَّ ضحايا بأنفسهن، لكنَّ الغاية الأساسية تتمثل في الوصول إلى الحقوق المدنية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والبيئية.

 كان من الممكن تفادي كثير من المشكلات التي ظهرت طيلة هذه السنوات إذا كانت المشاركة السياسية أكثر جدية بتضمينها لممثلات عن النساء ومستشارات مؤهلات منهن حول موضوعات النوع الاجتماعي والعنف الأسري والإتجار والرعاية الصحية والتَّعليم والعمل وغيرها من الموضوعات التي ترتبط بالنوع الاجتماعي وينبغي الأخذ بها في هذه المرحلة الانتقالية، التي يستوجب أن تدخل النساء فيها كشريكات للتخطيط لها منذ البدء بها عند تسليم السلطة. وبدلاً من ذلك، استُخدِمت حقوق النساء المعترف بها كأنها حالة خطيرة وصعبة ومعقدة ينبغي التراجع والتنازل عنها. (كالتعليم والعمل والرعاية الصحية…. وغيرها) لبقاء المواقف السياسية كما هي الان، إذ قُسِّمت السلطة السياسية بين أطراف النزاع دون معالجة الجوانب التمييزية أو النوع الاجتماعي وبناءا على حقوق وقضايا النساء أيضًا.

  ومن ناحية أخرى، اُهمِلت القضايا المعترف بها على أنها قضايا “خاصة بالنساء حصرًا” لأنها ليست ذات أهمية، خاصة لغايات توزيع السلطات أو الموارد، بل تُرِكت لتعالجها المنظمات النسوية مثل “العنف الأسري” وهو أقل موضوع فيه حساسية سياسية. وفتح للنساء المجال للتعامل مع ذلك، ولم تتدخل أطراف النزاع السياسية الذكورية في ذلك، على اعتبار أنَّ العنف الأسري يصوِّر النساء على أنَّهن ضحايا وليس على أنهن صاحبات نفوذ أو متخذات للقرار.

  • آلية تثبيت دور الشريك لتحقيق السلام والامن المجتمعي: 

 من هنا، كان على الكيانات والمنظمات النسوية أن تبني خبرات سياسية لا بأس بها عند الحديث عن صنع واتخاذ القرار، في غضون ذلك، لم تفعل تلك الكيانات والمنظمات النسوية شيء قوي يذكر في دخول ذلك المعترك بحجة تحقيق السلام والامن على الاقل. ونتيجة لذلك، لا تحصل النساء اليوم على الدعم إلا من خلال المنظمات النسوية غير الحكومية التي تبقى معتمدة على دعم المانحين الدوليين للاستمرار في أنشطتها المتعلقة بتحقيق السلام والامن المجتمعي.

 فهناك علاقة جوهرية بين الطريقة التي “تُستَقطَب” بها تلك المنح من الخارج لتحقيق العدالة الحقيقية في الداخل، إذ ينبغي أن تنشأ النساء والنسويات قنوات رسمية وغير رسمية للعدالة في صنع واتخاذ القرا، وعليها تقديم إطارًا عامًا لتلك القضية على اعتبار إنها الشريك الوحيد لتحقيق السلام والامن في البلد على المستوى المحلي والوطني، حتى وإن أضطرها الامر إلى تقديم أفراد السلطة والأحزاب والمكونات السياسية للمساءلة الجنائية والمجتمعية.

 إلا أن تأسيس هذه الآليات الرسمية للعدالة، يحتاج إلى قوة بتوحيد هذه الكيانات النسوية والنسائية لاستكمال ما قد تم البدء به، بإبداء الانتباه الحقيقي والجاد للحقوق الاجتماعية والاقتصادية والبيئية والمدنية والسياسية، وينبغي أن تحصل على الدعم من عملية الانتقال التحويلي. ولا يمكن تحديد الحاجة المطلوب تلبيتها إلا بوجود عملية دامجة، لأنَّ تغييب النساء سيكون مصيره الفشل المحتوم والعودة إلى النزاع، وسيبقى هذا الهدف يمثل تحديًا أكبر في مساحة المشاركة على طاولة المشاورات والمفاوضات لتحقيق السلام والامن المجتمعي على المستوى الوطني والمحلي.

بقلم: عفراء خالد الحريري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *