هل تريد قليلًا من الصبر؟

لا…

فالجنوبي يا سيدي يشتهي أن يكون الذي لم يكنه،

يشتهي أن يلاقي اثنتين:

الحقيقة والأوجه الغائبة”.
أمل دنقل.

هنا نضع بين يدي القارئ المحتمل خلاصة تعب كان لا بد منه، فقط لنؤكد أن الأحلام لا تموت. فعنوان المجلة كان عبارة عن مشروع ثقافي لشاب لم يكن قد بلغ الثالثة والعشرين من عمره. كان أمجد عبد الرحمن، صاحب مشروع منتدى “الناصية”، وثلة من رفاقه يعملون في بيئة شديدة التعقيد، حيث التطرف يصول ويجول، وحيث الثقافة والتنوير أصبحا مبعثًا للتكفير، وحيث الأصوات الحرة أصبحت خافتة أو تلاشت.

في هذه البيئة، ووسط هذا الواقع، نهض أمجد. كان لديه حلم ذهب لتحقيقه من خلال أدوات ناعمة وبسيطة تنتمي للحياة والخير والجمال؛ مفردات لم يكن بحسبانه أنه سيدفع حياته ثمنًا لها. ولكنه حصل.

قُتل أمجد على يد متطرفين في مدينته عدن، هددوه ونفذوا تهديدهم، ثم ارتكبوا سلسلة من الجرائم اللاحقة بحق أصدقائه وبحق أسرته، وصلت إلى منع الصلاة عليه ودفنه في مسقط رأسه في مدينة كريتر. والأدهى أن قضيته ما تزال قيد المماطلة في أدراج السلطات المتعاقبة، الأمنية والقضائية، ولم تتقدم خطوة واحدة.

لذا نجدنا، في الوقت الذي علينا فيه الاستمرار في المطالبة بحقه من قتلته إحقاقًا للحق، أن نواصل مشواره في حمل حلمه، الذي هو حلم كل إنسان حي يطمح ويتطلع إلى حياة الحرية والأمن والاستقرار ودولة القانون والنظام، وذلك من خلال المضي قدمًا لمواصلة وإحياء نهج الشهيد عبر مشروع إصدار مجلة “الناصية”، التي تنطلق في عددها صفر عن مؤسسة أمجد الثقافية والحقوقية، لتكون منبرًا واسعًا هدفه الأساس نشر ثقافة المواطنة والمدنية والديمقراطية وحقوق الإنسان.

وهي مهمة غايتها جعل الأحلام والتضحيات الفردية ملكية عمومية، وهي دعوة للتفكير بصوت عالٍ.

منبر نسعى به ومن عليه رفد أنشطة الحركة التنويرية، وتعزيز أنشطة الخدمة المعرفية لنشر ثقافة التنوير والتسامح والعقلانية، وكذا نشر النتاجات الفكرية والثقافية والأدبية للمثقفين والباحثين والأكاديميين والأدباء اليمنيين وغير اليمنيين. طامعين في أن تساعدنا الظروف على إنجاز مسودات نظرية لأهم القضايا الفكرية والسياسية التي تقع في صدارة المشروع النضالي اليمني، وفي مقدمتها قضيتي المواطنة والدولة المدنية، ليس بالانطلاق من التجريد، ولكن من خلال دراسة الواقع في تحولاته العميقة.

بقي أن نشير إلى أن مجلة “الناصية” تبدأ حرفيًا من الصفر، وأنها حتى الآن قائمة على جهد فردي شحيح بالإمكانات.

لهذا رأينا حاليًا أن نجعل إصدارها نصف سنوي، مع تمسكنا بطموحنا في أن يأتي الوقت الذي تصدر فيه المجلة مطلع كل شهر، والذي نعول كثيرًا في بلوغه على كل ذي همّ ثقافي معرفي في مختلف المجالات الإبداعية والثقافية والتنويرية، في التفاعل مع هذا الإصدار بما يرفع من مستوى فعله ودوره كمنشط ثقافي واسع وثري بموضوعاته، وبما يضمن استمرار إصداره المنتظم.

إذن، هي دعوة لإشهار الحلم وإعلان حقه في التحقق، من خلال التفكير بصوت عالٍ واجتراح تجربة لعمل مشترك وقائم على فائض جهودنا المبعثرة هنا وهناك.

لنراكم الجهد أيها الأعزاء…

فهنا حلم حاولوا اغتياله، لكنه عاد ليتجدد ويتحول إلى فرصة ثانية، كما يجدر بأي حلم حقيقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *