د. يحيى قاسم سهل

أستاذ القانون العام / كلية الحقوق  /  جامعة عدن

ملخص: 

يًعد موضوع الدستور(*) من أعقد وأخطر المشاكل التي واجهت بناء الدولة في اليمن واستقرارها منذ خمسينات القرن الماضي، لذا أجريت الدراسة بغية الوقوف على الأسباب لتجاوزها.  

وتتكون الدراسة من مبحثين، تناولت في المبحث الأول مسيرة التطور الدستوري في اليمن شمالا وجنوبا وأيضا اليمن الموحد بعد وحدته في 1990م، وفي المبحث الثاني درست الأحوال التي صدرت خلالها الدساتير، وختمت بخاتمة بينت فيها أهمية وجود قوة مؤثرة وقادرة على التعبير عن نفسها في ظل مناخ سياسي يحرر المواطنين من قيود القهر والخوف، وخلق مناخ سياسي يدمج المواطنين في عملية ديمقراطية تطلق روح المبادرة والإبداع، وتعمل على إشراك المواطنين على أساس ديمقراطية المشاركة وليس ديمقراطية الموافقة إن جاز التعبير.  

مقدمة: 

دلت التجربة الطويلة للنظام السياسي في اليمن، على أن الحاكم وأن انصاع لاستحقاقات العصرنة بضغط من الخارج، فإنه يظل مستبداً وسلطوياً وعسكرياً حتى الثمالة، وأنه غير مستعد للاستغناء عن سماته هذه، بل يسعى نحو تأبيد السلطة، ومحاولة نقلها إلى الأبناء. ويعزو البعض هذا الاستعصاء والممانعة تجاه أي تغيير ديمقراطي إلى إنه نابع من النفسية الاستبدادية المتأصِّلة في الذات العربية الحاكمة، والمنتسبة تاريخياً إلى عصور الاستبداد(1)، وقد تجلى ذلك في أن التحسينات الديمقراطية – إن جاز التعبير – التي رافقت إعادة تحقيق الوحدة اليمنية على شكل الحكم (أحزاب، تعددية، تداول سلمي للسلطة، انتخابات برلمانية ومحلية) لم تحقق أو تستهدف أي تغيير في جوهر السلطة، كما لم تحقق العدالة في توزيع الثروة، كما لم ينتج عنها قط توسيع حقيقي للمشاركة في الحكم، بل على العكس تزايد تراكم الثروات لدى التحالفات القريبة من الحكم،  واتسعت الفجوة بين القلة من الأثرياء والأغلبية الساحقة من الفقراء والمهمشين سياسيا واجتماعيا(2). وأصبحت الدولة (تفترس) المجتمع بكل أشكال الإكراه الممكنة، دولة تمارس (الإرهاب الشامل) من خلال التسلط والهيمنة على الاقتصاد والمجتمع. وهنا لابد من الإشارة إلى هيكل الجيش قوة القهر التي تتمثل في النمو السرطاني لأجهزة الحماية (أمن سياسي، أمن قومي، أمن مركزي، الحرس الخاص، الحرس الجمهوري، شرطة عسكرية، شرطة النجدة، (الشرطة، الجيش) التي تحولت وظيفتها إلى حماية من هم في سدة الحكم مما أدى إلى ترويع المجتمع(3)، وأصبحت تلك المؤسسات الأمنية والعسكرية من أهم دعائم نسق الحكم الفاسد بوصفه الابن الشرعي للاستبداد(4).  

وفي ضوء ما تقدم نحاول البحث في معوقات تطبيق أحكام الدستور، واستشراف آفاق المستقبل استجابة لتطلعات الشعب اليمني في بناء دولته المدنية التي ينشدها منذ نصف قرن. 

ووفقا لما أسلفنا فإن البحث سيكون على النحو الآتي:(5) 

  • المبحث الأول: مسيرة التطور الدستوري في اليمن.  
  • المبحث الثاني: الأحوال والأوضاع التي صدرت خلالها الدساتير اليمنية.  

المبحث الأول :مسيرة التطور الدستوري في اليمن: 

شهدت اليمن متغيرات سياسية متسارعة، بدأت بصدور دستور 1936م في مستعمرة عدن، التي أصبحت بعد فصلها عن الفلك الهندي البريطاني، تحكم حكماً مباشرا من قبل الملك، بصفتها إحدى ممتلكات التاج البريطاني. كما برزت المعارضة ضد النظام الأمامي في الشمال بحركة 1948م، وظهور الميثاق الوطني المقدس لعام 1948م، وتسارعت المتغيرات السياسية العاصفة، ونتاج لذلك صدرت منذ 1936م وحتى اليوم ما يزيد على أربعين وثيقة دستورية، نعرضها على النحو الآتي:  

الدساتير قبل ثورة سبتمبر:  

باستثناء القانون الأساسي للدولة العثمانية الصادر في عام 1877م (٦) وكذلك الميثاق الوطني المقدس لعام 1948م، والوثيقة الموسومة (آمالنا وأمانينا) المقدمة من الاتحاد اليمني عام 1952م، و(مطالب الشعب) التي قدمها المناضلان محمد محمود الزبيري وأحمد محمد نعمان عام 1956م، ثم وثيقة تعديل الميثاق الوطني لعام1956م، وأخيرا ميثاق اتحاد الدول العربية المتحدة الذي وقعه عن المملكة المتوكلية اليمنية ولي العهد محمد البدر في 8 مارس 1958م، فلم تعرف المملكة المتوكلية أي وثيقة دستورية أو قانونية وذلك كون السلطات كلها كانت بيد الإمام، ولم تعرف المملكة المؤسسات الحديثة، بل أن المؤسسات التي تركها الأتراك دمرت. (7) 

الدساتير قبل الاستقلال الوطني:  

أ) دستور عدن عام 1936-1958م:  

أدى استقلال الهند عن بريطانيا في الأول من إبريل 1937م إلى فصل عدن عن الفلك الهندي البريطاني. ووضعت الأسس لقيام الدولة في عدن ونظمت السلطات فيها بصدور دستور 1936م والتعديلات المتعاقبة عليه عام 1944م، 1947م الذي أدخل تعديلات على السلطة القضائية وأمر 1955م الذي أعاد تكوين السلطة التشريعية وأدخل نظام الرئيس .. الخ، وكذلك تعديل 1958م بشأن تعديل المادة الخامسة بتقديم مشروعات القوانين إلى المجلس التشريعي، فكونت هذه الوثائق في مجموعها دستور عدن عام 1936-1958م.   

ب) دستور عدن لعام 1962م:(8) 

صدر عن البرلمان البريطاني بمصادقة التاج البريطاني (الملكة). 

ج) دستور سلطنة لحج 1951م:   

يتكون من خمسة أبواب على النحو الآتي:(9)  

  • الباب الأول: السلطنة اللحجية ونظام الحكم فيها.  
  • الباب الثاني: السلطان.  
  • الباب الثالث: المجلس التشريعي.  
  • الباب الرابع: مالية السلطنة.  
  • الباب الخامس: أحكام عامة.  

د) دستور ولاية دثينة1961م:  

ويتكون من الأبواب الآتية:(10) 

  • الباب الأول: احتياطيات.   
  • الباب الثاني: اللجنة.  
  • الباب الثالث: المديرون.  
  • الباب الرابع: إجراءات تشريعية.  
  • الباب الخامس: المالية.  
  • الباب السادس: الإدارة.   
  • الباب السابع: الحكومات المحلية.  

هـ) دستور السلطنة القعيطية:  

يتكون الدستور القعيطي من ثلاث وثائق، هي:  

الوثيقة الصادرة في 24 مارس 1940م وتنص على تأسيس وتعيين مجلس الدولة.  

الوثيقة الثانية تبين محاكم الدولة وصدرت في7 يونيو 1940م. 

الوثيقة الثالثة خاصة بقانون دستور الولاية الصادر في 24 مارس 1940م وبالإضافة إلى هذه الوثائق فإن القانون الإسلامي هو القانون الأساس للدولة.(١١)  

و) دساتير الاتحاد الفيدارلي:  

ترجع فكرة قيام مشروع الاتحاد الفيدرالي إلى عام 1933م وأول من فكر في هذا المشروع هو (السير سيتوارت) وكان حينذاك المقيم السياسي بعدن (12) تقدم حاكم عدن بمشروع الاتحاد بتاريخ 7يناير 1954م إلى مشايخ وسلاطين المحميات وقدم لهم الدستور المعدل الذي يتألف من (12) بابا و (96) مادة، وتكون الاتحاد من الإمارت الست الآتية:  

إمارة بيحان، إمارة الضالع، السلطنة الفضلية، السلطنة العوذلية، سلطنة يافع السفلى، وسلطنة العوالق العليا، وعلى مدى الأعوام الأربعة التالية انضمت إلى الاتحاد كل من سلطنة لحج ومشيخة العقارب وسلطنة العوالق السفلى وولاية دثينة، وسلطنة الواحدي، ثم انضمت إليه عدن المستعمرة في يناير 1963م.(13)  

بدأ الاتحاد تحت اسم اتحاد إماارت الجنوب العربي في 11 فبراير 1959م، ثم اتحاد الجنوب العربي عند تعديله وانضمام عدن عام 1963م. (14)  

ز) الدستور المؤقت لجمهورية الجنوب العربي:  

عثرت على هذا الدستور قبل أشهر قليلة، وقبل ذلك، لم أجد أية إشارة إليه في أي وثيقة رسمية أو أي دراسة أو بحث، وذلك له تبريره، فالدستور بحسب التاريخ أي تاريخ صدوره صدر في 1 يوليو 1967م قبل الاستقلال بأشهر، و رُبَّما لم يتسنَّ لمعديه نشره، بوصفه مشروعا لتطوير الاتحاد إلى جمهورية(15) إضافة إلى ذلك حددت المادة (137) منه على أنه: يظل المجلس الاتحادي المؤسس بموجب الباب الرابع من دستور اتحاد الجنوب العربي قائما في اليوم المحدد وبعده، ولن يحل قبل اليوم الأول من شهر يناير عام 1968م ويعني اليوم المحدد – رُبَّما – يوم تسليم بريطانيا السلطة للجمهورية أي جمهورية الجنوب العربي.  

غير أن مسار التاريخ صار بطريقة مغايرة لما رسمته بريطانيا وحلفاؤها.  

ويتكون الدستور من (151) مادة وثلاثة جداول ملحقة. 

دساتير بعد الثورة في الشطر الشمالي:  

بعد انتصار ثورة 26 سبتمبر انتهى الحكم المطلق، وبدأ العهد الجمهوري بإصدار مجموعة من الوثائق الدستورية تمثلت في الآتي:(16)    

  • الإعلان الدستوري الصادر في 30/10/ 1962م. 
  • الدستور المؤقت الصادر في 41 /3 / 1963م. 
  • الإعلان الدستوري الصادر في 6 /1 / 1964م. 
  • الدستور الدائم الصادر في 62 /4 / 1964م. 
  • الدستور المؤقت الصادر في 18/5 / 1965م. 
  • الدستور المؤقت الصادر في 25/ 11 / 1967م. 
  • القرار الدستوري رقم (1) لسنة 1968م.  
  • القرار الدستوري رقم (2) لسنة 1968م. 
  • القرار الدستوري رقم (1) لسنة 1969م. 
  • القرار الدستوري رقم (2) لسنة 1969م 
  • القرار الدستوري رقم (3) لسنة 1969م.  
  • القرار الدستوري رقم (1) لسنة 1970م. 
  • الدستور الدائم الصادر 26 /9 / 1970م. 
  • بيان مجلس القيادة رقم (4) لسنة 1974م بتجميد مجلس الشورى وتعليق الدستور الدائم.  
  • الإعلان الدستوري الصادر في 19/6 / 1974م. 
  • الإعلان الدستوري الصادر في 22 / 10/ 1974م. 
  • الإعلان الدستوري الصادر في 22 / 10/ 1975م. 
  • الإعلان الدستوري الصادر في 6 /2 / 1978م. 
  • الإعلان الدستوري الصادر في 17/4 / 1978م. 
  • الإعلان الدستوري الصادر في 22 /4 / 1978م. 
  • البيان السياسي بتشكيل مجلس رئاسة بتاريخ 24/6/1978م.  
  • الإعلان الدستوري الصادر في8 /4 / 1979م. 
  • تعديل المادة (73) من الدستور الدائم تقضي بجعل رئاسة الدولة في رئيس الدولة بدلاً عن المجلس الجمهوري بتاريخ 14/7 / 1988م. 

دساتير بعد الاستقلال في الشطر الجنوبي: 

  • قرار القيادة العامة للجبهة القومية رقم (1) الصادر في 30 / 11 / 1967م.  
  • دستور جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية الصادر في 30 نوفمبر 1970م. 
  • دستور جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية الصادر في 13 / 10/ 1978م.  

دستور الجمهورية اليمنية:  

بعد تحقيق الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990م بدأ تاريخ جديد ليس بالنسبة لليمن، بل والمنطقة العربية عموما، كون الوحدة اليمنية بقدر ما كانت حاجة أساسية لتوطيد دعائم الاستقلال السياسي وبناء اقتصاد وطني مستقل فقد كانت ضرورة قومية. (17) 

وقد صدر دستور الدولة الجديدة عن طريق الاستفتاء الشعبي وذلك في 15 ، 16 مايو 1991م وقد قام مجلس النواب بتعديل الدستور في29 سبتمبر 1994م حيث شمل التعديل (52) مادة كما تم إضافة (29) مادة وشطبت مادة واحدة(18).  

كما تم التعديل الثاني في 15 ابريل 2001م. وفي 24 سبتمبر 2004م قدم رئيس الجمهورية مبادرة لإجراء تعديلات دستورية، تهدف إلى تطوير النظام السياسي الديمقراطي والانتقال إلى نظام الحكم المحلي وتتمثل هذه المبادرة في النقاط الآتية:(19) 

  • النظام السياسي للحكم يكون رئاسياً كاملاً.  
  • مدة رئاسة الجمهورية خمس سنوات.  
  • تتكون السلطة التشريعية من غرفتين هما: مجلس النواب، ومجلس الشورى.   
  • انتخاب مجلس النواب كل أربع سنوات.  
  • انتخاب مجلس الشورى كل أربع سنوات.  

يستبدل مسمى السلطة المحلية، ويعدل إلى الحكم المحلي، ويكون رئيس الحكم المحلي منتخباً من هيئة الناخبين وفقا للقانون، ويكون لمجلس الحكم المحلي صلاحيات يحددها القانون، ويصدر قرار من رئيس الجمهورية لتسمية رؤسائها المنتخبين، وينعكس ذلك الوضع على المديريات، ووفقا لما يحدده القانون.  

تنشأ شرطة محلية في المحافظات، ويكو ن هناك أمن عام مركز ي يمثل كافة المحافظات مثله مثل الجيش الذي يكون سيادياً، ويمثل الوطن كله، وينظم ذلك القانون.  

الضرائب والموارد المحلية تكون من اختصاص المجالس المحلية التي تقوم بتخصصها في تنفيذ المشاريع وتسيير الأعمال في الإطار المحلي ووفقا للقانون واتجاهات الخطط العامة، ويحدد القانون ما يعد ضرائب سياديه مركزية، وكذلك الواردات والثروات النفطية والمعدنية والغازية وغيرها من الثروات.  

تشكل اللجنة العليا للانتخابات بناء على ترشيح مجلس القضاء الأعلى ل(14) شخصا من ذوي الكفاءة والنزاهة، ويتم اختيار سبعة منهم من رئيس الجمهورية ويصدر بهم قرار من قبله، وتكون اللجنة في ممارستها لمهامها محايدة ومستقله وفقا للدستور.   

يتم تخصيص نسبة 15% للمرأة في الانتخابات لعضوية مجلس النواب، وينص على ذلك في قانون الانتخابات.  

المبحث الثاني: الأحوال والأوضاع التي صدرت خلالها الدساتير اليمنية: 

تختلف أساليب نشأة الدساتير باختلاف الظروف والأوضاع المحيطة بهذه النشأة، وذلك لأن كل دستور يعد وليد الظروف الموضوعية التي أحاطت به، سواء بالنسبة لنشأته أو مضمونه. وتعود هذه الظروف الموضوعية إلى نظام الحكم الذي يتم وضع الدستور في ظله من ناحية ومدى التطورات الحضارية والسياسة التي وصل إليها شعب الدولة التي يوضع فيها الدستور من ناحية أخرى.(20) 

واتفق الفقه الدستوري على تصنيف أساليب نشأة الدساتير على نوعين رئيسيين هما:  

  • أساليب غير ديمقراطية.  
  • أساليب ديمقراطية.  

ومرجع هذا التقسيم إلى كون النوع الأول يعبر عن غلبة إرادة الحاكم على إرادة الشعوب المحكومة، أو على الأقل اشتراك الإرادتين في وضع الدستور، في حين يترجم النوع الثاني تفوق الإرادة الشعبية وسيادتها على إرادة الحاكم.  

يضاف إلى ذلك الصراع الاجتماعي بين القوى السياسية، وعدم التمييز بين الدولة والحكومة، بل عدم حل مشكلة السلطة وبناء الدولة القانونية بوصفها أرقى أشكال التنظيم الاقتصادي والاجتماعي، بسبب مقاومة القوى التقليدية .. الخ 

نشأة الدساتير اليمنية:   

تشير التجربة الدستورية اليمنية إلى أن الوثائق الدستورية التي صدرت سواء قبل ميلاد الدولة اليمنية الحديثة أو بعد ذلك، صدرت بأسلوب غير ديمقراطي أي أن الحاكم كان هو الذي يصدرها باستثناء دستور1970م في الجنوب الذي خضع لمناقشات شعبية قبل إصداره اشتركت فيها كافة فئات وقطاعات المجتمع من مثقفين ونقابات وشباب.. الخ 

عدم التمييز بين الدولة والحكومة:   

كشفت العديد من التجارب الحاجة الماسة للتمييز بين الدولة والحكومة بحيث لا تصبح الدولة أداة طيعة للحزب أو المجموعة التي بيدها السلطة، ففي العديد من الأنظمة الشمولية صار القضاء وأجهزة الأمن وأجهزة الإدارة والسلك الدبلوماسي وغيرها من مؤسسات الدولة أدوات لإرادة الطغمة الحاكمة وفي مثل هذه الظروف يصبح المواطنون بين شقي رحى، أحدهما الحزب الحاكم والآخر الدولة، ولا إمكانية للمعارضة السياسية خارج نطاق سلطاتها، ولذلك يجب التمييز بين مؤسسات الدولة مثل القضاء وأجهزة الأمن والعلاقات الخارجية، وهي مواقع استمرارية سيادة الشعب، والحكومة القائمة في أي وقت كنتيجة للصراعات السياسية المحدودة، يجب أن تؤمن بتداول السلطة سلمياً.(21) 

ومما لا شك فيه إن الفشل في التمييز بين الدولة والسلطة يؤدي إلى تقويض دعائم السلم والاستقرار السياسي والتنمية للمجتمع بأسره. ولهذا يجب تأمين المجال العام بحيث يكون متاحاً أمام مختلف القوى والمجموعات للتنافس بصورة حرة وعادلة من أجل التأثير على سياسات الدولة، ولكن بأسلوب لا يهدد استقلاليتها وعلى نحو يضمن المشاركة الحرة والعادلة.  

ويمكن معالجة ذلك من خلال مبادئ وآليات الحكم الدستوري، وحماية حقوق الإنسان وعدم التمييز بين جميع المواطنين وخضوع الدولة كلية للقانون.  

خضوع الدولة للقانون:( 22) 

للقول بخضوع الدولة للقانون أو لتحقيق الدولة القانونية ينبغي توافر عناصر مختلفة وتقرير ضمانات معينة نجملها في الآتي:  

  • وجود دستور نابع من الإرادة الشعبية ومعبرا عنها.  
  • الفصل بين السلطات.  
  • خضوع الإدارة للقانون.  
  • تدرج القواعد القانونية.  
  • الاعتراف بالحقوق الفردية.  
  • تنظيم رقابة قضائية.  

الدستور (عقد اجتماعي) وليس وسيلة للتسوية السياسية: 

أشرت سلفاً على أن أول ضمانات الدولة القانونية وجود دستور، وبداية يجب التنويه إلى أن الدولة القانونية ليس مجرد وضع وثيقة نطلق عليها (دستور)، وأود التأكيد أيضا، على أن الدستور ليس وثيقة قانونية للتسوية السياسية بين القوى المتصارعة على السلطة أو خلق توازن فيما بينها. بل هو وثيقة سياسية اقتصادية اجتماعية ثقافية حضارية قانونية، وبتعبير الفقيه الدستوري المصري، د. ابراهيم درويش، الدستور (حلم) ولأنه كذلك فقد صاغ الدستور الأمريكي أجل المفكرين حينذاك.  

وبصرف النظر عمَّا سبق، فإن العديد من الدساتير القائمة في الأقطار العربية هي من منظور ضمانات ومعايير الحكم الدستوري لا تستحق أن يطلق عليها لفظ دستور سواء بالنظر الى الطريقة التي وضعت بها أو لانتهاكها ضمانات ومعايير الحكم الدستوري، هذا بخلاف أن بعضها على الرغم من قصوره لا يحظى حتى بالاحترام في التطبيق أو يتم تفريغه من مضمونه بالتحايل عليه بوسائل مختلفة، بينما إعمال ضمانات ومعايير الحكم الدستوري يكفل على سبيل المثال وضع حدود لسلطة الحكومة بما يتوافق مع الحقوق الأساسية للمواطنين والفئات المجتمعية، وكذلك صفه التمثيل الشامل للشعب من خلال الانتخابات والشفافية والمحاسبة والفصل بين السلطات، التشريعية والتنفيذية والقضائية، واستقلال القضاء، وحكم القانون لضمان تنظيم العلاقة بين الأفراد والدولة بواسطة مبادئ قانونية واضحة للتطبيق العام، بدل الإرادة المستبدة للمجموعة الحاكمة.(23) 

قواعد الدستور تمثل التوافق الوطني:  

إن أهمية الدستور في النظام السياسي لأي دولة لا يحتاج إلى مزيد من البيان، قواعد الدستور تحدد شكل تطور النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي في البلاد لفترة تطول بحسب ما تتمتع به قواعد الدستور من استقرار نسبي، ولهذا السبب فإن قواعد الدستور ينبغي أن تحظى بوفاق وطني عام حتى يتوفر لها الاحترام، بل الولاء الكامل من كل القوى السياسية والاجتماعية الفاعلة في دولة هذا الدستور، وإلا ولدت هذه القواعد خلافات مستمرة بين هذه القوى لأنها لابد وأن تنعكس في صورة قوانين ولوائح وسياسات، وإذا كان من المألوف أن تختلف هذه القوى حول العديد من المسائل الجوهرية، إلا إنها ينبغي أن تتوافق على قواعد إجراءات العمل السياسي والإطار العام لهذا العمل من حيث الحقوق التي لابد أن يتمتع بها أطراف هذا العمل حتى لا يؤدي الخلاف بينهم حول الإجراءات إلى مضاعفة صعوبة الوصول إلى اتفاق حول مضمون السياسات.(24) 

تعديل الدستور:  

وتأسيساً على ما سبق، فإن لعملية وضع قواعد الدستور أو تعديلها هي في معظم البلدان قواعد خاصة تختلف عن القواعد المتبعة في صنع القوانين، وذلك من حيث الهيئة المنوط بها وضع الدستور أو تعديله أو من حيث القواعد المتبعة في هاتين الحالتين، فالهيئة التي تضع الدستور ليست هي الهيئة التي تضع القوانين، فهي قد تكون جمعية تأسيسية أو لجنة خاصة تمثل فيها كل القوى السياسية في الدولة المعنية، ثم لا يصدر هذ ا الدستور في العادة إلا بموافقة الهيئة الناخبة.  

إن مهمة تعديل الدستور في الدول الديمقراطية إحدى مسئوليات الهيئة التشريعية وبأغلبية خاصة، لأنه يفترض أن هذه الهيئة هي الاكثر تمثيلا للشعب ففي الولايات المتحدة الأمريكية تعديل الدستور حق أصيل للهيئة التشريعية مدعومة بموافقة الهيئات التشريعية في ثلاثة أرباع الولايات، وتشترك في ذلك الهند التي تشترط موافقة الهيئة النيابية في نصف الولايات، وإذا كان دستور الجمهورية الخامسة في فرنسا يعطي السلطة التنفيذية، ممثلة في رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، دورا في طلب التعديل، إلا أن موافقة أغلبية خاصة في مجلس البرلمان ضرورية حتى يتم إقرار الاقتراح الذي جاء أصلا من السلطة التنفيذية أو قد يقتضي الأمر العودة إلى الشعب الفرنسي في استفتاء لمعرفة موقفه من التعديل المقترح. ولم يحدث أن استسلم البرلمان أو الشعب في فرنسا لإرادة الرئيس، فقد رفض الشعب الفرنسي أفكار الرئيس ديجول – على الرغم من شعبيته الهائلة – بالنسبة لتعديل دستور الجمهورية الخامسة في سنة 1969م، مما اعتبره ديجول تعبيرا عن عدم ثقه الشعب به، فتنحى عن رئاسة الدولة بعد ظهور الإرادة الشعبية على الفور، بل رفض الشعب الفرنسي الدستور الأوروبي الذي كان يحظى بقبول كل من الحكومة والمعارضة على السواء في مايو2005م، والأكثر من ذلك أن الرئيس شيراك اضطر إلى أن يطلب من مجلس البرلمان تقصير مدة تولي منصب الرئيس من سبع إلى خمس سنوات استجابة لرغبة شعبية عارمة.(25) 

ضعف الدولة:   

وهذا الأمر يعود الى طبيعة نشأتها، حيث انفردت بعض القوى بعد انتصار الثورة في الشمال، ونيل الاستقلال في الجنوب، برسم معالم النظام السياسي الجديد، الأمر الذي أدى إلى الصراعات الدموية وعدم الاستقرار السياسي، الذي كان سببا رئيس في  غياب التنمية بمفهومها الشامل وجر ذلك إلى مضاعفة المشكلات وتجذرها في الواقع، وإضافة لذلك اعتبار المجتمع المدني هو البديل عن المجتمع القبلي السائد في المجتمع قبل نشوء الدولة الوطنية والذي فشل في إثبات نفسه، وفشل في القيام بدوره في المرحلة الجديدة، فالدولة في الغرب يقوم اعتمادها على خطين متوازيين: مجتمع مدني قوي ودولة قوية. وهذان يشكلان في المجمل الدولة القوية في هيكلها في جميع المجالات وهذا ما أخفقت في تحقيقه الدولة القطرية العربية بسبب الأزمات التي تعاني منها، مثل أزمة الشرعية والمؤسسية والهشاشة، وعدم العدالة في توزيع الثروة والتبعية وغلبة الطابع الريعي وشبه الريعي في الدول العربية، والفساد.(26) 

التماهي بين الحاكم والدولة:   

على الرغم من الحديث عن التعددية السياسية بوصفها أساس وجوهر التحول الديمقراطي، غير أن عملية التحول الديمقراطي تعثرت بسب رسوخ التسلطية وتزامن ذلك مع سوء إدارة الدولة من خلال تضخم أجهزة الدولة وتواضع كفاءتها ومعدلات أدائها وعدم تطور مؤسسات وكيان الدولة بشكل مستقل عن شخص الحاكم الذي يفترض أنه يمارس سلطة الدولة في إطار القانون وبتفويض شعبي.  

والخلاصة هي أن الحاصل فعلا، هو وجود نوع من التماهي بين شخص الحاكم وكيان الدولة، ما أدى إلى أن تتحول الدولة إلى أداة بيد نخبة حاكمة تستند في ممارستها للسلطة إلى أساس قبلي بل إلى أسواء من ذلك، أي إلى أساس عائلي.(27) 

العلاقة بين القبيلة والدولة:  

إن المشكلة الحقيقية التي يواجهها النظام السياسي اليمني، هي العلاقة بين القبيلة والدولة، مع العلم أن أحد أسباب تراجع مفهوم الدولة المدنية هو غلبة الطابع القبلي على الطابع المدني، ليس فقط في النظام السياسي اليمني، بل يتسع ذلك ليشمل النظم السياسية العربية التي عملت نخبها السياسية في تثبيت شرعيتها على القبيلة، في ظل تغوُّل سافر من قبل الحكومات في الوطن العربي على مؤسسات المجتمع المدني. (28) 

خاتمة:  

ليس المشكلة في تعديل الدستور أو تغييره، ولكن في القوى المؤثرة في عملية التعديل، كما ليس المشكلة في شكل الهيئة التي ستتولى الصياغة، ولكن في مدى وجود قوى سياسية قادرة على التعبير عن نفسها، وفرض تأثيرها في هذه العملية بحكم الأمر الواقع، هذا هو الإطار السياسي العام الواجب تحليله أولاً، قبل مناقشة صياغة الدستور.  

إن أي إصلاح لن يكتب له النجاح ما لم يكن مسبوقاً بتدابير سياسية تحرر المواطنين من قيود القهر والظلم، وتشركهم في عملية اتخاذ القرارات، وتطلق فيه روح المبادرة والإبداع، وتقيض لهم سبل الرقابة والمحاسبة والمساءلة .. فالمواطنون الأحرار والمطمئنون إلى مستقبلهم وحدهم القادرون على حماية الوطن وإحباط المؤامرات ومواجهة الأخطار. ودون شك، أن غياب المناخ السياسي الحر، سيعيد إنتاج الاستبداد، ولذلك فالمطلوب لإنجاز استحقاقات المرحلة القادمة، أن يشارك الجميع على أساس – إن جاز التعبير- (ديمقراطية المشاركة لا ديمقراطية الموافقة). 

الهوامش: 

(*) الدستور: هو اسم النسخة المعمولة للجماعات … ويُجمع فيها قوانين المُلك وضوابطه، فارسية (مُعرَّبة، ج. دساتير). تاج العروس، السيد محمد مرتضى الزبيدي، 11/292. (ولم نجد هذه اللفظة سوى عند الزبيدي). 

1- يُنظر: عبدالحي علي قاسم، السمات المشتركة للنظم العربية وتعاطيها مع المتغير الثوري، المستقبل العربي، العدد  399،  مايو 2012م، ص11.  

2- يُنظر: ثناء فؤاد عبدالله، آليات الاستبدال وإعادة إنتاجه في الواقع العربي، المستقبل العربي، العدد 313، مارس 2005م، ص95.  

3- نادر فرجاني، الحكم الصالح : رفعة العرب في صلاح البلدان العربية، المستقبل العربي، العدد 256، يونيو 2000م، ص15.   

4- ثناء فؤاد عبدالله ، آليات الاستبدال، مرجع سابق، ص 101.  

5- يُنظر: د. عمر عبدالله بامحسون، التطوير السياسي والدستوري في اليمن الديمقراطية 1937م-1967م، مكتبة مصر، (د.ت)، ص89. قائد  

6- د. عبدالكريم العزيز،  

7- محمد طربوش، وثائق دستورية يمنية، ط1، (د.ت)، مكتبة العروة الوثقى – تعز، ص8. 

8- د.عمر عبدالله بامحسون، التطوير السياسي والدستوري في اليمن الديمقراطية، 

9- د. يحي سهل 

10- د. يحي سهل 

11- د.عمر عبدالله بامحسون، التطوير السياسي والدستوري في اليمن الديمقراطية، 

12- د. يحي سهل 

13- يُنظر: الموسوعة اليمنية   

 ”The constitutional experience of Yemen…. obstacles and its future prospects”  

Abstract 

The subject of the constitution is one of the most complex and most serious problems facing the state building and its stability in Yemen since fifties of the last century, so the study was conducted in order to identify the reasons for overcoming thereof.  

The study consists of two sections, in the first section the process of constitutional development in Yemen in the north and south, as well as the unified Yemen after its unity in 1990 AD was discussed, while in the second section the situations in which the constitutions issued were studied.  Finally, I concluded with an epilogue to the importance of influential power that should be capable to self-expression in the light of political climate that liberates citizens from the constraints of oppression and fear, and creates a political climate that consolidates citizens into a democratic process to releases the spirit of initiative and creativity, and works on involving the citizens on the grounds of a participatory democracy, not a consent democracy, so to 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *