أ.د. قاسم المحبشي

لماذا لم يتحول العلم إلى ثقافة؟ ولماذا لم يتحول التحديث إلى حداثة؟

تمهيد:    

  إن العلم هو أقدم وأهم شكل من أشكال الوعي والممارسة الاجتماعيين قبل السحر والأسطورة والدين والأخلاق والقانون. ولم يكن للإنسان أن يتمكن من العيش في الأرض بدون العلم والتفكير العلمي وأول قانون علمي أدركه الإنسان هو قانون مقاومة الفناء والحفاظ على البقاء وأول المدنية كهف أو مغارة أو موطئ قدم يحتله الإنسان ويجد فيه أسباب العافية والأمن والأمان فيدافع عنه وطناً في العراء قبل اللجوء الى الكهوف والمغارات، وأول الحضارة هو الاحساس بالخوف من العجز والوحدة. كل هذه الإحساسات التي تنتاب الإنسان في جميع الازمنة وفي كل مكان وفي جميع العصور هي فطرة وغزيرة وطبع دفعه للبحث عن حلول عملية لها. وأول الثقافة خيال وتصور وتعبير وتفكير وبحث عن الأشياء التي تأمّن حياة الإنسان وتجنبه المهالك. العلم ليس نظرية أبدا بل هو مواجهة مشكلات حيوية والبحث عن حلها وتجاوزها. وحينما واجه الإنسان معضلة مرور النهر فكر باستخدام ألواح الخشب وصنع الغارب وحينما واجه الإنسان تحدي البرد والمطر فكر بالبحث عمّا يحمي بدنه من البرد والمطر والشمس والريح فصنع ملابس من الجلد والصوف وحينما واجه الإنسان تحدي العيش في العراء فكر ببناء منزل يحميه من غوائل الوحوش والضواري وحينما واجه الإنسان تحدي الجوع والعطش فكر باستصلاح الأرض وزراعتها وحفر الآبار وحمايتها. وحينما واجه الإنسان تحدي المسافات فكر بترويض الحيوانات واستخدامها في المواصلات وحينما واجه الإنسان تحدي البحار فكر بصناعة السفن الشراعية وحينما واجه الإنسان تحدي المرض فكر بالبحث عن الدواء وهكذا كان العلم هو الحليف الأول للإنسان على هذه الكوكب ومازال ومن المعروف أن إي فعل أو سلوك إذا ما تكرر يصير عادة وإذا ما ترسخت العادة صارت ثقافة! فلماذا لم يتحول العلم والتعليم في المجتمعات العربية الإسلامية إلى ثقافة؟ وما الذي يفسر شيوع الخرافة والعنف والتعصب والتطرف والإرهاب بعد هذا المسار الطويل من نشوء المؤسسات العلمية الحديثة في المجتمعات العربية الراهنة. وما علاقة العلم بالثقافة؟ وكيف يمكن أن تكون الثقافة السائدة في مجتمع ما دافعا لتنمية العلم وازدهاره أو معرقلة لنموه وتطوره؟ إن اكتساب معرفة وضعية أو عقلية – أو السعي وراء العلم، والأمر سيان بكثير أو بقليل- يتحدد من خلال نظام الفكرة الشاملة الذي يسود في وقت معين في المجتمع. نظم الفكرة الشاملة – التي يقصد بها المعتقدات والمواقف والأعراف الاجتماعية، والافتراضات العامة، والمواقف الدينية والإيديولوجية المحددة – هي ذات أهمية بالغة في تاريخ البشرية. لقد قارنها جوليان هكسلي Julian Huxley بالهياكل العظمية في التطور البيولوجي: فهي توفر البنية للحياة التي تنعشها وتلبسها، وتقرر إلى حد بعيد الطريقة التي ستعيش بها. إن القيم العليا والأهداف التي يطمح إليها المجتمع إنما يتم الحصول عليها من الطريقة التي يربى بها أبناءه. وههنا يواجه المرء بحق مسألة ما إذا كان المجتمع يثمّن التحول والتغير أو يفضل النظام القائم أو القديم. فما الذي يفسر نهضة اليابان والصين والهند والنمور الآسيوية الأخرى منذ بداية القرن العشرين، بعد أن كانت واقعة تحت نير الاستعمار الغربي وتنويعاته المختلفة، مثل ما كانت عليه المنطقة العربية تماما؟ لماذا نهضت شعوب الشرق آسيوية في الشرق الأقصى والأدنى بينما ظل الشرق الأوسط كما كان متخلفا وها هو اليوم بات يشكّل نقطة سوداء في بلاد الشرق والعالم أجمع؟ هذا في حين كانت أوضاع الدول العربية بالقياس الى البلدان الشرق آسيوية الناهضة اليوم مثل كوريا وسنغافورة وماليزيا وتايوان بل حتى الهند والصين واليابان، كان وضع بعض الدول العربية وقدراتها الاقتصادية أفضل بكثير من وضع الدول الناهضة قبل نهضتها طبعا؟ لماذا تعثرت حركة النمو والتنمية واليقظة والنهوض في البلاد العربية الإسلامية وأين يمكن لنا العثور عن الأسباب التي يمكنها تفسير هذا الأمر؟!

ثمة من يرى أن وراء نهضة الشعوب الشرق آسيوية أسباب ثقافية، وأن الفلسفات والعقائد الفكرية الشرق آسيوية مثل الكونفوشيوسية والبوذية والطاوية والجيانية بما تمتلكه من منظومة قيمية إيجابية تحث على السلام والتناغم والانسجام والإيثار والتضحية والإخلاص بالعمل والنزعة الجماعية ونبذ الأنانية وقمع الشهوات والانفعالات العنفية والنزعة إلى السلام وحرية الذوات الفردية في ممارسة الخبرات الدينية ونبذ التعصب والتطرف والتكفير ومن ثم تعايش المذاهب والاعتقادات والطوائف والأفكار والأديان بكل سلاسة وتقدير واحترام في الدولة الواحدة اذ يوجد في الهند وحدها أكثر من ألفي طائفة دينية متعايشة. لقد أثارت نهضة الشرق الآسيوي حَفِيظة أوروبا الغربية وجعلتها تعيد التفكير من جديد في الشرق ومعناه وممكناته، فكان المدخل الثقافي في تفسير تلك الظاهرة هو ما جذب الكثير من الاهتمام بعد أن تبين عدم كفاية المداخل النظرية الأخرى التي تم الرهان عليها في الغرب، ومنها المدخل العسكري والأمني والمدخل المادي الاقتصادي، والمدخل التعليمي التربوي وغير ذلك.

في ضوء هذا المنظور يمكن تمثيل العلاقة بين العلم والثقافة بعلاقة الابن والأم، فالثقافة هي الرحم الحي لتخصيب وميلاد ونمو العلم، فكيفما كانت صحة الأم يكون الابن سليماً أو سقيماً. ولا تطور ولا تقدم ولا تنمية الا بمعرفة وفهم قوانين الطبيعة والتاريخ والمجتمع وحركتها ولا يكون فهمها الا بازدهار الثقافة بوصفها قوة التاريخ الإبداعية وتتعين بذلك التطور الدائم المستمر في العلوم والفنون والآداب ولا يكون ذلك الازدهار والتطور الثقافي إلا في بيئة حضارية متعافية بوصفها قوة التاريخ التنظيمية سياسة واخلاقا وتشريعا.

يُعدُّ القرن العشرين، قرن العلم والثورة العلمية بامتياز إذ إن ما شهده من أحداث ومتغيرات عاصفة وتحولات ثورية جذرية في مجمل البيئة الثقافية والاجتماعية للحضارة الراهنة بفضل الانتصارات المذهلة للعلم والثقافة العلمية إذ لم تتحقق أبداً منذ عصر الأهرامات تغييرات جذرية بهذه السعة والسرعة والفاعلية. هذا الحضور الطاغي للخطاب العلمي هو ما جعله ينبسط موضوعاً كلياً لعدد واسع من أنساق المعرفة المعاصرة، (الأبستيمولوجيا، وفلسفة العلم، وتاريخ العلم، وسوسيولوجيا العلم، والانثربولوجيا الثقافية، وعلم نفس العلم، والعلم المقارن، والميثودولوجيا أي علم المناهج، وأنثوية العلم، وأدب الخيال العلمي، وفلسفة اللغة والهرمونطيقا، والسبرناتيك وأخلاقيات العلم ..الخ). وربما كان العلم بمختلف أبعاده وعناصره وعلاقاته ورموزه المعرفية (النظرية والمنهجية) والتقنية (التكنولوجية والاداتية) والثقافية (المادية والمعنوية) هو مفتاح سر انتصار الحضارة الحديثة وتحولها إلى ما بات يعرف اليوم بـ(حقبة ما بعد الحداثة، فما هو العلم؟ وما هي الثقافة العلمية؟ وما الفرق بين الثقافة العلمية والثقافة غير العلمية؟ وما هي التنمية الثقافية العلمية؟ وكيف يمكن الرهان عليها في مواجهة التحديات الراهنة؟ وما الذي يفسر هذا التأثير الحاسم للعلم في الثقافة الغربية الحديثة والمعاصرة؟ وكيف يمكن فهم العلاقة التفاعلية بين العلم والثقافة في الحياة الاجتماعية؟ وما هي مخاطر انفصال العلم عن الثقافة؟

تعريف الثقافة بوصفها قوة إبداعية:

نعني بالثقافة هنا القوة الإبداعية في التاريخ وهي كل التطور الدائم المستمر في العلم والأدب والفن. بذلك يعد العلم عنصرا أساسيًا من عناصرها. بل هو ابنها وربيبها الأنضج. بيد أن مسألة نمو العلم وتقدمه وازدهاره ليست مسألة علمية بل تتعين في تلك المجالات الواقعة خارج العلم حيث يتأمل البشر طبيعة الكون والإنسان بأعمق معانيها وأشدها غموضا، وحيث يخلق الخيال الإنساني المؤسسات التي تسمح للأفراد بالاستمتاع على الدوام بالفضاءات المحايدة أو الأطر الميتافيزيقية والثقافية الأوسع التي تجري ضمنها أنماط العلاقات والممارسات والخطابات التي تتشكل في سياقها تصورات الإنسان عن ذاته وعن عالمه وعن الآخرين تشكيلاً عميقاً، وهذا هو معنى الثقافة كمنظومة كلية مركبة من كل ما نفكر فيه أو نقوم بعمله أو نتملكه أو نفضله كأعضاء في المجتمع، فالثقافة السائدة في حضارة ما بوصفها أنموذجاً إرشادياً (باراديم) إما أنها تدعم قوى الإنسان العقلية والإبداعية أو تحد منها وتضيق فرص نموها وازدهارها.

إن وظيفة الثقافة هي: تحضير ولادة الفيلسوف والمفكر والعالِم والفنان والمؤرخ والفقيه والأديب والناقد والكاتب والخبير والمربي والسياسي وكل ما يتصل بتفتيح وتنمية قوى الإنسان وقدراته ومواهبه العقلية والعاطفية والبدنية. وهذا هو تعريف كلمة (ثقافة) في (المعجم الفرنسي المنشور 1933) إذ جاء فيه “إن كلمة ثقافة تطلق مجازاً على الجهد المبذول في سبيل تحسين العلوم والفنون وتنمية القدرات الفكرية ومواهب العقل والذكاء” وهي بهذا المعنى تتميز بجملة من السمات منها:

1- التهيؤ: كما هو الحال في التربية البدنية التي تهتم ليس بتمرين عضو معين من أعضاء الجسم الإنساني بل بتمرين وتهيئة الجسم كله وإكسابه اللياقة اللازمة للنشاط والطاقة والحيوية.؛ فالثقافة بوصفها استراتيجية للتنمية العقلانية المستدامة، تمنح الأفراد القدرة على استعمال جميع المعارف والمهارات المكتسبة لمجابهة الأوضاع المختلفة وحل المشكلات الجديدة؛ أي (الذكاء العاطفي) إذ (هي ما يبقى بعد نسيان كل شيء) والثقافة بهذا المعنى هي تجسيد لمفهوم (الهابيتوس) عند (بيبر بورديو) بوصفها نسقا من الاستعدادات المُكتسبة بالتربية والممارسة الاجتماعية التي تحدد سلوك الفرد ونظرته إلى نفسه وإلى الآخرين والحياة و الكون، وهو أشبه ما يكون بطبع الفرد أو بالعقلية التي تسود في الجماعة، لتشكل منطق رؤيتها للكون والعالم. ووفقاً لهذا التصور، يعد (الهابيتوس) جوهر الشخصية والبنية الذهنية المولدة للسلوك والنظر والعمل، وهو في جوهره نتاج لعملية استبطان مستمرة ودائمة لشروط الحياة ومعطياتها عبر مختلف مراحل الوجود للفرد والمجتمع.

2- الاستيعاب: ويعني استخدام المعرفة وتجريبها ذاتيا؛ لأن المرء لا يستطيع أن يتصرف بمعرفة ما إلا عندما يستوعبها ويجسدها في لغته وذهنه وخبراته وتجاربه الاجتماعية. فكل معرفة غير مستوعبة من الفاعلين الاجتماعيين تظل بالنسبة لهم خارجية وغريبة ومستبعدة من حياتهم. فالمعرفة لا تتحول إلى ثقافة إلا إذ توطنت في البنية الثقافية للمجتمع المتعين وصارت نسقًا أصيلًا في تفكيرهم وسلوكهم.

3- الشمول: بمعنى القدرة على الربط العميق بين المعارف المستوعبة والموضوعات والقضايا التي تبدو متباعدة، والنظر إليها برؤية كلية قادرة على الجمع بين أجزاءها في نسق فكري ثقافي منطقي واضح ومقنع.

4- الحكم: بمعنى القدرة على التجرد والتجريد الذي يعني في العلم (الحلم) وفي الفن (الذوق) وفي الأخلاق (الضمير) وفي الحياة (الفهم) ذلك هو هدف وغاية كل تعليم وتعلم، فإذا كان التعليم يعلم المعرفة فإن التعلم يعلم الفهم وبدون أن يفهم الناس المعرفة التي يدعون امتلاكها تظل معرفتهم بلا قيمة ولا جدوى. والعلم هو أن تعرف كل شيء عن شيء محدد ومتخصص في علم من العلوم بينما الثقافة هي أن تفهم شيء عن كل شيء تعرفه وهذا هو كل ما يمكن انتظاره من الثقافة، وبدون هذا الـ(كل) لا وجود لشيء جدير بالقيمة والاعتبار. لا شك إن هناك علاقة عضوية بين العلم والثقافة، فالهدف الأساس من التعليم والتربية هو خلق الإنسان السوي الحر القادر على مواجهة مشكلات مجتمعه وعصره بروح ايجابية وسعة أفق عقلانية مرنة وخلاقة تمنحه القدرة اللازمة على التعاطي الفعال مع واقعه وهويته وتاريخ مجتمعه وقَيَمَه وتراثه في سياق حاضره وتحدياته المتغيرة باستمرار يجعله قادر على بناء مركب ثقافي علمي إنساني عقلاني جديد يمزج بين أصالة الماضي وحيوية الحاضر واستشراف المستقبل. وبذلك تكون الثقافة في جوهرها الإنساني التاريخي الإبداعي بوصفها ذلك الكل المركب الذي يشكل تفكيرنا وخيالنا وسلوكنا وقيمنا وعاداتنا وتقاليدنا وهي فضلا عن ذلك أداة لنقل السلوك ومصدر دينامي للتغيير والإبداع والحرية وتهيئة فرص الابتكار والمنافسات والمبادرات الفردية، وهي مصدر للطاقة والإلهام والتنوع والاختلاف والشعور بالهوية والانتماء.

من المعروف أن إي فعل أو سلوك إذا ما تكرار يصير عادة وإذا ما ترسخت العادة صارت ثقافة! فلماذا لم يتحول العلم والتعليم في المجتمعات العربية الإسلامية إلى ثقافة؟ وما الذي يفسر شيوع الخرافة والعنف والتعصب والتطرف والإرهاب بعد هذا المسار الطويل من نشوء المؤسسات العلمية العربية إذ تعد الجامعة مقوماً أساسياً من مقومات الدول العصرية، وركيزة من ركائز تطور المجتمعات البشرية وتحقيق تقدمها العلمي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، فضلاً عن كونها بيوتاً للخبرة ومعقلاً للفكر والإبداع، ومركزاً لانتقال الإنتاج والمعرفة وتطبيقها وبؤرة للتحديث والتجديد والتنوير والتغيير، وهي أهم وأخطر مؤسسة حديثة وإستراتيجية في تاريخ الحضارة الإنسانية، وذلك لإسهامها الحاسم في نهضة وازدهار مشروع الحداثة العلمية العقلانية في عموم الكرة الأرضية، وأهمية الجامعة لا تعود إلى قيمة وظائفها الأساسية الثلاث: المتمثلة في نقل المعرفة خلال وظيفة التدريس، أو في إنتاج وتطوير المعرفة وظيفة البحث العلمي أو في استخدام وتطبيق المعرفة وظيفة خدمة وتنمية المجتمع فحسب، بل وإلى كونها تعد المثل الأعلى لمؤسسات المجتمع المدني الحديث والإدارة البيروقراطية الرشيدة، وذلك بما تمتلكه من بنية تشريعية دقيقة التنظيم وإدارة فنية أكاديمية كفؤة وعالية الجودة وقيم ومعايير، وهيئة أكاديمية علمية قانونية وثقافية وأخلاقية وجمالية وحضارية وإنسانية وعقلانية شاملة. وقد تأسست أول جامعة عربية في مصر عام 1908م بجهود أهلية ثم تحولت إلى جامعة حكومية عام 1925م (جامعة القاهرة حالياً)، وكانت جامعة دمشق التي تأسست عام 1923م أول جامعة عربية حكومية حديثة وفي عام 1942م أنشأت جامعة الإسكندرية وفي العام ذاته تأسست جامعة القرويين في مدينة فاس المغربية، ثم تأسست جامعة الخرطوم سنة 1955م وجامعة بغداد في سنة 1957م وتأسست أول جامعة في عدن 1970م وفي عام 1971م تأسست جامعة صنعاء، وتأسست جامعة السلطان قابوس في مسقط عام 1986 وهناك ما يربوا على 700 جامعة عربية حكومية وخاصة، معظمها حديثة النشأة إذ نشأ أكثر من 80% منها بعد عام 1970م. ففي الجزائر 66 جامعة وفي المغرب 29 جامعة وفي تونس حوالي 30 جامعة ومؤسسة تعليم عالي. وفي اليمن وحدها اليوم أكثر من أربعين جامعة فضلا المعاهد والمؤسسات التعليمية الأخرى. هذا التوسع الكمي في الجامعات اليمنية أفضى إلى إنتاج عشرات الآلاف من حملة الشهادات الأكاديمية من النوع الاجتماعي، ورغم ما لهذا من ملامح إيجابية عامة في شيوع أهمية الجامعة وشهادتها، إلا أنه أفضى إلى جعل الجامعات أشبه بالمدارس التقليدية التي تمنح الشهادات لغرض البحث عن وظائف عمل ممكنة.

يصعب الحديث عن معايير الجودة والتمييز والأداء الأكاديمي والقيم المهنية بمعزل عن المؤثرات السوسوثقافية التي تأتي من خارج أسوار الجامعة، ونحن نعلم أن مسألة النمو العلمي وإزدهار العلم والتعليم هي مسألة ليست علمية بل سياسية حضارية وثقافية، فكذلك يمكننا القول، أن مشكلة معايير الجودة والتميّز ليست مشكلة فنية أو إدارية أو أخلاقية أو ذاتية يمكن حصرها وحلها داخل جدران الجامعة الأربعة أو في أداء عضو هيئة التدريس فقط بل هي مشكلة أكثر تعقيداً مما يمكن تخيله، أنها تتصل بنسق هائل من المستويات والعناصر الحضارية والتاريخية والفكرية وكل المنظومة الثقافية للمجتمع التقليدي أو الحديث، إذا إن الجامعة بحكم حداثة ميلادها في بيئتنا الثقافية التقليدية ظلت عرضه للاختراق من البنى والقوى والقيم والممارسات والعادات والمعتقدات التقليدية التي تشن حرب لا هوادة فيها ضد هذه المؤسسة الوليدة بدون وعي في معظم الأحيان وبوعي أحياناً أخرى، وهذه هي سنة من سنن الحياة الاجتماعية إنه الصراع الأبدي بين القديم والحديث بين التقليد والتجديد بين المألوف وغير المألوف بين القوى والمصالح الاجتماعية السياسية الاقتصادية المتنافسة المتصارعة المختلفة الاستراتيجيات والغايات والأهداف صراع بين المعروف والمجهول بين الطبع والتطبع، بين العادات التي تشكلنا والعادات التي نريد أن نشكلها هذا يعني أن التعليم الجامعي على صلة وثيقة بالسياق التطوري التاريخي للمجتمع وتراثه وقيمه ومؤسساته وبنيته وتقاليده من جهة وبالمؤسسة الأكاديمية الحديثة وتاريخ نشأتها ومستوى تقدمها من جهة أخرى. إذ يصعب فهم وتفسير تخلف مخرجات جامعتنا بمعزل عن تخلف المجتمع والجامعة ككل. فالالتزام بأنماط معينة للعلاقات الاجتماعية يولد طريقة معينة في النظر إلى العالم، كما أن رؤية العالم بطريقة معينة تبرر نموذجاً منسجماً معها للعلاقات الاجتماعية. ومن المعرف أن أفكار الناس ونظراتهم للعالم وإلى أنفسهم والآخرين وكيفية تجسيد الحياة فيه نابعة من علاقاتهم الاجتماعية ففي مجمع لا يمتلك ثقافة مؤسسية ولا ثقافة قانونية ولا يزال يخضع لهيمنة العلاقات التقليدية كيف يمكن أن تكون فيه المؤسسة الأكاديمية وقيمها لا سيما إذا تركت مكشوفة لأعدائها التقليديين بلا حماية وبلا رعاية من الدولة والمجتمع وبلا سلطة خارجية أو ذاتية وفي ثقافة لا يزال بعض الناس فيها ينكرون الطبيعة وقوانينها والإنسان وعقلة وحريته وغير ذلك الظواهر والموضوعات التي هي الموضوع الأول والأخير لكل العلوم الطبيعية والإنسانية وينكرون العقل الإنساني كأداة ومعيار للمعرفة العلمية بل وينكرون الإنسان بوصفه كائن كرمه الله وأكرمه بالعقل وبالقدرة على التمييز والمعرفة ومن ثم فهو يستحق بأن يعيش حياته بحرية وكرامة وأمن وأمان هذا الإنسان الذي هو الموضوع الجوهري لكل العلوم الإنسانية والاجتماعية وفي ثقافة رسمية وشعبيه لا زال مفهوم العلم فيها يثير الالتباس وغير متفق عليه، بل لا زال الاعتقاد الراسخ، بأن العلماء هم (علماء الدين أو علما الشريعة ولا أحد سواهم)، وأن العلم هو العلم الشرعي النافع في الدار الآخرة لا في هذه الدنيا الفانية، وفي مجتمع لا زالت فيه الثقافة السحرية والأسطورة والخرافية واللاهوتية تهيمن على كل الأفق الثقافي والفكري عند الخاصة والعامة في مجتمع ليس من بين مثله العليا للنجاح العلم والتعليم والتفوق العلمي والكفاءة الشخصية والأداء المتميز والمواهب الفردية بل القرابة، العشائرية القبلية والعصبية والنفوذ والمحسوبية والرشوة والوساطة والانتهازية، والابتذال والنفاق والمزايدات السياسية الأيديولوجية… يقول (جون وجاردنر) في كتابة (التميز الموهبة والقيادة): ”إذا أعدت الرثاثة والهرجلة مجتمعاً ما فليس من السهل على أي عضو في ذلك المجتمع أن يبقى بمعزل عن التأثر بها في سلوكه الخاص والعام. على مدى أكثر من قرن من التعليم للعلوم الحديثة لم يتحول العلم إلى ثقافة عامه في مجتمعاتنا العربية الراهنة فما هو سبب ذلك ياترى؟

الفهم الملتبس للعلم:

إن مفهوم العلم نفسه مازال محاطاً بكثير من اللبس والغموض والتشويش، وذلك بسبب الخلط المضطرب بين الاستعمالات المختلفة للكلمة. يورد ابن منظور، “علم: من صفات الله عز وجل العليم والعالم والعلام .. والعلم نقيض الجهل، علم علما، ورجل عالم وعليم من قوم علماء والعلم بمعنى (الفقه والتفقه)، فالعلم بالشيء هو الفقه فيه. والعلم بمعنى (اليقين)، وهكذا تعددت معاني كلمة (علم) في الثقافة العربية الإسلامية لتشمل حقولا كثيرة ودلالات مختلفة، منها: العلم بمعنى التأويل والإيمان، وقد ألمح ابن خلدون في تصنيفه للعلوم إلى “أن العلوم التي يخوض فيها البشر ويتداولونها في الأمصار تحصيلاً وتعليماً هي على صنفين: العلوم الشرعية النقلية والعلوم العقلية” ورغم ما تضمنه القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة من إشارات إلى العلوم العقلية؛ مثل (تعليم اللهِ آدمَ الأسماء كلها)، وتعليم (سيدنا داؤود استعمال الحديد)، وحديث الرسول – صلى الله عليه وسلم – في تأبير النخيل (أنتم أعلم بأمور دنياكم)؛ إلا أن (توبي أ. هف) ذهب إلى “إن بنية الفكر والعواطف في الإسلام في القرون الوسطى بشكل عام كانت ذات طبيعة جعلت طلب العلوم العقلية وعلوم الأولين أمراً يثير الشكوك” وفي عصرنا الراهن مازال الجدل محتدماً بشأن كلمات (العلم والعالِم والعلماء) التي نطلقها على كثير من أنماط المعرفة لا يشملها مفهوم (Science) العلم بالمعنى المتواضع عليه في المعرفة المعاصرة وكشفت دراسة حديثة أن الغالبية العظمى من خريجي الجامعات الذين جندتهم الحركات الإسلامية المتطرفة في صفوفها، درسوا الهندسة والعلوم الطبيعية والطب، ولا أحد منهم تقريبا تخرج في كليات العلوم الاجتماعية والآداب وجاء في الدراسة التي أعدها خبير في المجلس الثقافي البريطاني، أن نصف من سمتهم “الجهاديين” -أي ما يعادل 48.5% منهم- الذين انخرطوا في تلك الحركات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تلقوا نوعا من التعليم العالي، 44% منهم حاصلون على درجات في الهندسة. وترتفع هذه النسبة بين الجهاديين الغربيين إلى 59% وأشارت دراسة أخرى إلى أن من بين 18 مسلما بريطانيا تورطوا في هجمات إرهابية، درس ثمانية منهم الهندسة أو تقنية المعلومات، وأربعة آخرون العلوم والصيدلة والرياضيات، في حين تلقى واحد فقط دروسا في العلوم الإنسانية الا يعني هذا بأننا ازاء ظاهرة اجتماعية تستدعي إعادة التفكر في أزمة العلاقة بين العلم والثقافة في المجتمعات العربية الإسلامية الراهنة؟ وهذا ما يجعلنا في حاجة إلى رؤية مقارنة مع المجتمعات التي تشبهنا إذ ذاك يكون السؤال هو: ما الذي يفسر نهضة اليابان والصين والهند والنمور الآسيوية الأخرى منذ بداية القرن العشرين، بعد أن كانت واقعة تحت نير الاستعمار الغربي وتنويعاته المختلفة، مثل ما كانت عليه المنطقة العربية تماما؟ لماذا نهضت الشعوب الشرق آسيوية في الشرق الأقصى والأدنى بينما ظل الشرق الأوسط كما كان متخلفا وها هو اليوم بات يشكّل نقطة سوداء في بلاد الشرق والعالم أجمع؟ هذا في حين كانت أوضاع الدول العربية بالقياس الى البلدان الشرق آسيوية الناهضة اليوم مثل كوريا وسنغافورة وماليزيا وتايوان بل حتى الهند والصين واليابان، كان وضع بعض الدول العربية وقدراتها الاقتصادية أفضل بكثير من وضع الدول الناهضة قبل نهضتها طبعا؟ لماذا تعثرت حركة النمو والتنمية واليقظة والنهوض في البلاد العربية الإسلامية وأين يمكن لنا العثور عن الأسباب التي يمكنها تفسير هذا الأمر؟!

ثمة من يرى أن وراء نهضة الشعوب الشرق آسيوية أسباب ثقافية، وأن الفلسفات والعقائد الفكرية الشرق آسيوية مثل الكونفوشيوسية والبوذية والطاوية والجيانية بما تمتلكه من منظومة قيمية إيجابية تحث على السلام والتناغم والانسجام والإيثار والتضحية والإخلاص بالعمل والنزعة الجماعية ونبذ الأنانية وقمع الشهوات والانفعالات العنفية والنزعة السلامية وحرية الذوات الفردية في ممارسة الخبرات الدينية ونبذ التعصب والتطرف والتكفير ومن ثم تعايش المذاهب والاعتقادات والطوائف والأفكار والأديان بكل سلاسة وتقدير واحترام في الدولة الواحدة اذ يوجد في الهند وحدها أكثر من ألفي طائفة دينية متعايشة. لقد أثارت نهضة الشرق الآسيوي حَفِيظة أوروبا الغربية وجعلتها تعيد التفكير من جديد في الشرق ومعناه وممكناته، فكان المدخل الثقافي في تفسير تلك الظاهر هو ما جذب الكثير من الاهتمام بعد أن تبين عدم كفاية المداخل النظرية الأخرى التي تم الرهان عليها في الغرب، ومنها المدخل العسكري والأمني والمدخل المادي الاقتصادي، والمدخل التعليمي التربوي وغير ذلك، في السنوات الأخيرة بدأت الدوائر الأكاديمية والثقافية الأمريكية والأوروبية تعيد النظر والتفكير بأطروحة (ماكس فيبر)، البروتستانتية وروح الرأسمالية، في محاولة لتفسير وفهم الحالة الشرقية، وهذا ما يفسر حضور مفهوم القيم الشرق آسيوية الذي أخذ يزدهر اليوم في الفضاء الثقافي العالمي المعاصر. كتب محمود محيي الدين النائب الأول لرئيس البنك الدولي ما يلي “اعتاد الاقتصاديون في شرحهم لتطور الناتج الاقتصادي وثروات الأمم، أن يستعرضوا ما يعرف بعناصر الإنتاج الثلاثة، وهي الأرض والعمل ورأس المال، ويضيفون إليها عنصراً رابعاً فيما يعرف بالتنظيم، أو دور المطور الذي يحشد هذه العناصر لينتج بكميات منها ما ينتجه. وتجد هذا متداولاً ومستقراً في أدبيات الاقتصاد، منذ ألّف الاقتصادي الاسكوتلندي الأشهر، آدم سميث، كتابه العمدة عن ثروة الأمم، في عام 1776. وعلى المنوال ذاته صدر أول كتاب باللغة العربية في الاقتصاد الحديث، وهو كتاب عرّبه الشاعران حافظ إبراهيم ومطران خليل مطران، وصدر عام 1913، عن أصل باللغة الفرنسية، للاقتصادي بول لوروا بوليو.استقر هذا النهج التقليدي في تفسير تطور اقتصادات الأمم، حتى جاءت آراء جديدة تنتقد هذا التفسير الذي لا يستوعب تطورات اقتصاديات ليس لها حظ يذكر من الموارد الطبيعية أو رأس المال، ولكنها بزغت وأصبحت في مقدمة سباق الأمم” (ينظر، . محمود محيي الدين، عن عموم الناس والأفكار وأشياء أخرى، الشرق الأوسط، 31 أكتوبر 2018 مـ رقم العدد 14582) وكان من أهم من انتقد النهج التقليدي في التحليل الاقتصادي، الاقتصادي الأميركي (بول رومر)، الذي فاز بجائزة نوبل في الاقتصاد، لما أسهم به، فيما عرف بنماذج النمو الذاتي أو الداخلي. وشاركه الفوز بالجائزة الرفيعة، (ويليام نوردهاوس)، الذي طور نماذج تطبيقية تربط بين تغيرات المناخ والاقتصاد والأفكار. وخلاصة النظرية الجديد أن النمو الاقتصادي “يرجع إلى تطور رأس المال البشري. وأن فضل التطور يرجع إلى عموم الناس؛ ليس باعتبارهم مجرد عناصر عمل فحسب؛ بل لأنهم قوة دافعة بأفكارهم، وما اكتسبوه من معارف في الارتقاء بحياتهم، من خلال حسن استخدامهم للموارد الاقتصادية المتاحة. ألم نرَ هذا التطور الاقتصادي الهائل لدول مثل سنغافورة وكوريا، ومن قبلهما اليابان، وهي اقتصاديات فقيرة الموارد الطبيعية، ولكنها غنية برأس المال البشري الذي أُحسن تطويره، بالاستثمار في التعليم المتميز والرعاية الصحية المتكاملة. إذن فعناصر الإنتاج وفقاً لهذا المنهج الجديد تتمثل في الناس، والأفكار، ومجموعة من الأشياء الأخرى قد تشمل – على أوجه من تباين في الأهمية – عناصر الإنتاج التقليدية” هذا معناه أن للثقافة بوصفها البنية الكلية للمجتمع تضم كل ما تفكر فيه ونفعله ونفضله أي التفضيلات القيمية والعلاقات الاجتماعية وأنماط وأساليب الحياة !والنَّاس يسلكون بحسب ما يعتقدون. وسؤال العلم الاجتماعي ليس هو ماذا يفعل الناس ويعتقدون ويقولون؟! ولكن لماذا يفعلون ما يفعلونه في حاضرهم المباشر؟ ولماذا يعتقدون ما يعتقدونه ويقولون ما يقولونه؟! إنها الثقافة ياسادة التي تشّكل الهابيتوس الذي يُنمّط سلوك الناس وحياتهم على هذا النحو أو آخر. وفِي الثقافة مفتاح السر والمعنى. والثقافة تتكون من كل ما يشكّل سلوكنا وأفعالنا وعاداتنا وتقاليدنا وقيمنا وتفضيلاتنا الأخلاقية والجمالية وكل ما نفكر ونحلم فيه.

لم تدمر الحروب الطائفية الناشبة في معظم المجتمعات العربية المؤسسات العامة فحسب، بما فيها المؤسسة الأكاديمية، بل ودمرت النفوس والعقول، وسوف تترك آثارًا غائرة في صميم البنية الاجتماعية برمتها. فعلى مدى السنوات الماضية عمت الفوضى العارمة، حيث تم اغتيال العشرات من أساتذة الجامعات اليمنية في عدن وصنعاء وتعز وحضرموت، والكثير من أعضاء الهيئة التدريسية والتدريسية المساعدة اضطروا للهروب من جحيم الحرب وتداعياتها إلى بلدان مختلفة، ومن بقي منهم يعيش حياة شديدة البؤس والقسوة.

دور المثقفين:

ربما كان علينا إعادة التفكير في مفهومي الثقافة والمثقف في هذه اللحظة الراهنة من تاريخ الحضارة الإنسانية، فنحن في عصر العولمة حيث ينكمش الزمان والمكان الى حدٍّ بتنا فيه نعيش فيما يشبه قرية سبيرنتية، كل شيء بات متاح للجميع المعرفة والعلم والآداب والثقافة بكل صورها وأنماطها، لم يعد للمثقف تلك السلطة التقليدية والدور الاجتماعي الذي كان في زمن مضى، والمثقف بمعناه (الجرامشي)، (المثقف العضوي) بل وحتى بصيغة (جان بول سارتر) المثقف العارف الكلي صوت من لا صوت لهم، الملتزم نقد كل قوى الهيمنة وشروطها والدفاع عن القوى الضعيفة المُهَيْمن عليها، ولعلك تتذكر كتابات (ادواراد سعيد) في المثقف والسلطة وتمثيلات المثقف، اذ عرف المثقف بانه الشخص الذي لا يكف عن مناوشة كل سلطة هيمنة بما في ذلك سلطة الراي العام وسلطة الثقافة ذاتها، من المؤسف أن العولمة بالمعنى الواسع للكلمة قد كان لها أثرا خطيرا علينا إذا جعلتنا نتوهم اننا نتشارك مع العالم المتحضر عالمنا الراهن بكل خيراته المادية والرمزية وبسبب هذا الوهم الخطير، اهملنا التفكير بحقيقة وضعنا وطبيعة مشكلاته الحيوية، وأهمها على الإطلاق، مشكلة الانتقال من التقليد إلى الحداثة، ففيما أخذ العالم يتحدث عن مرحلة ما بعد الحداثة منذ عقود كل شيء عدنا يشير الى تراجع مهول عن النزر اليسير من قيم وصور الحداثة والتحديث التي تحققت للجيل الذي سبقنا، وهذا ما ادركه (صموائيل هنتجتون) في دراسة له عن التغيير الى الخلف في ثقافة الشرق الأوسط.

الان يجرى الحديث عن المثقف المتخصص في نسق ومجال محدد. أذ إن هناك تغييرا جذريا للحياة وأساليبها في المجتمعات المتعافية، فالحالة الراهنة بالنسبة للمثقف العربي هي حالة وضع الصدمة، اذ مازال الارتباك سيد الموقف، ثمة تداخل وتشابك مضطرب بين قوى الهيمنة العالمية والمحلية والإقليمية، وحينما يرهن مثقفا مفترضا يساريا، أمر تأسيس وبناء الدولة في بلده بقوى الهيمنة العالمية فاعلم أزمة المثقف ودوره بلغة الصميم، وفي سبيل مقاربة المثقف الذي نريد لابد لنا ان نتعرف على الثقافة وماهيتها.

تؤكد نظرية الثقافة على أهمية التعددية الثقافية كمعطى جوهري وحيوي للحياة الإنسانية، اذ إن الفرد في المجتمع يتفق مع بعض الناس في كل النواحي كما يتفق مع بعض الناس في نواحٍ أخرى، ولا يتفق مع أي من الناس في نواحٍ ثالثة. وتهتم علوم البيولوجيا والفسيولوجيا بدراسة الجانب الأول، كما تهتم علوم النفس بدراسة الجانب الثالث، اما الجانب الثاني فيشكل مجال اهتمام ودراسة علوم الاجتماع والانتروبولوجيا والجغرافيا الثقافية؛ فالأسلوب الذي يسير عليه الناس في حياتهم وسلوكهم وقيمهم وطرق تعبيرهم وفنونهم وآدابهم، إنما يعتمد على طبيعة الثقافة السائدة في المجتمع مع بعض الآثار التي تتركها العوامل الجغرافية والبيولوجية، وهنا تبرز أهمية المنظور الثقافي كأفق منهجي لا غنى عنه في دراسة الثقافات المحلية واكتشاف الاختلافات والمميزات والتشابهات بينها. وإذا ما انطلقنا من تعريف الأمريكي (روبرت بيرستد) للثقافة بأنها “ذلك المركب الذي يتألف من كل ما نفكر فيه أو نقوم بعمله أو نمتلكه كأعضاء في المجتمع” ويميز (ميشيل توميسون) ومؤلفو كتاب (نظرية الثقافة) بين ثلاثة انساق متواشجة في بنية الظاهرة الثقافية هي:‬‬

  • أولا: التحيزات الثقافية: التي تشتمل على القيم والمعتقدات المشتركة بين الناس.
  • ثانيا: العلاقات الاجتماعية: التي تشمل العلاقات الشخصية التي تربط الناس بعضهم ببعض.
  • ثالثا: أنماط وأساليب الحياة: وهو الناتج الكلي المركب من التحيزات الثقافية والعلاقات الاجتماعية.

وتؤكد نظرية الثقافة على أهمية التعددية الثقافية لأن الأمة التي تتعدد فيها وتتوازن أنماط الحياة تصبح أقل تعرضاً للمفاجآت وأكثر قدرة على الاستجابة للمواقف الجديدة، ومن ثم فإن النظم السياسية التي تشجع تنوع أنماط الحياة المتعددة أقرب للنجاح من تلك التي تقمع التنوع الضروري. وتؤكد النظرية أن التعددية جوهرية، لان اختلاف الناس في هذا العالم هو الذي يمكـَّن أنصار كل نمط حياة من أن يعيشوا بطريقتهم بحيث تصبح معيشة الناس في نمط واحد نوعاً من (اليوتوبيا) المهلكة، لأن أنصار كل نمط حياة يحتاجون للأنماط المنافسة، سواء للتحالف معها، أو الشعور بالذات في مقابلها أو حتى لاستغلالها لمصلحتهم. ما يحدث اليوم للأسف الشديد، هو حضور خطاب السياسة المكرور الممجوج المنمط الذي نعرفه ونعلم كل تفاصيله ورموزه وكلماته وأهدافه، والذي يقدم نفسه في كل مكان بذات التشكل وذات الصورة وذات اللغة وذات الوجه المتجهم المتشابه في أدق التفاصيل؛ وحينما تتضخم السياسة وتنشر خطابها الإيديولوجي الدوجمائي في عموم الأفق الثقافي تنحسر أو تغيب كل الخطابات الأخرى – العلمية والأدبية والغنية، ذلك لان السياسة – كما هو معروف – لا حد لرغبتها في التمدد والانتشار والاستحواذ والتوسع في كل الفضاءات، فالسياسة تكره الفراغ، والسياسية من حيث هي ممارسة للقوة كما يقوم (ميشيل فوكو)، ليس لها من حدود غير ذاتها، أنها لا تريد ولا تحب إلا ذاتها، وهذا هو قانون القوة، فالقوة ليس لها من هدف غير القوة والمزيد منها ومن ثم فهي سعي دائم لامتلاك وقولبة كل ظواهر الحياة الطبيعية والاجتماعية الثقافية والاجتماعية – المادية والرمزية، سعي لا يكل من أجل جعل كما ما هو خارجها يدمج في الداخل، داخل بنيتها الفعلية والمتخيلة، ذلك في سبيل تعزيز قوتها، فحينما تحشر جميع العناصر الفاعلة في حياة المجتمع: الأرض والسلطة والثروة والنفوذ، والاقتصاد والدين والأدب والعلم والثقافة … الخ حينما تتمكن السياسية من هضم وإعادة قولبة لكل عناصر القوة الواقعية أو المتخيلة في بنيتها الكلية المتوحشة، ينام الوحش بأمان، حينها تغدو السياسة كما يقول (دللوز): “هي التي تقول ولا تتكلم” إذ يصبح كل خطاب أو قل أو تعبير حتى وإن ارتدى أو لبُس أزياء الأدب والعلم أو الثقافة، فهو يكرر البنية ذاتها، ويكرر الخطاب ذاته بألفاظ وتعابير مختلفة. فلم يحدث من قبل في كل تاريخنا أن يكون للسياسة مثل هذا الحضور الطاغي في الممارسة والفكر والأدب، لقد ظل هامش ولو ضئيل- حتى في أحلك الظروف- للخطابات الأخرى الأدب والعلم والفن، وكان الأدباء والمثقفون في الماضي- يستطيعون التحليق والغناء في فضاءات أكثر رحابة وحرية وفاعلية، فلم يكن المثقفون في أي وقت من الأوقات جزءا من مؤسسات السلطة السياسية كما هو الآن بل ظل ينافح في سبيل الحفاظ على قدر محدد من المسافة المحترمة بين السلطة والأدب والثقافة- مسافة محددة وواضحة وفاعلة ومحترمة وكانت السلطة تسعى إلى مراضاة الثقافة وتمنحها ما تستحقه من التقدير والاحترام والهيبة والجلال.

وحتى لا نحمل المثقف اليوم ما ليس وظيفته من المهم أن ننظر الى المشهد بكليته، فنحن في لحظة انحسار لسلطة ومكانة المثقف المحترم وبروز وعاظ السلاطين وإنصاف المثقفين الذين يعرضون بضاعتهم في سوق المسيطرين على مقاليد القوة والسلطة والثروة، ثمة طفح هائل من السطحية والخفة والعته والابتذال وغياب الإحساس بالمسؤولية، وتلك ثقافة تم تنميطها على مدى العقود السابقة من الخراب المنهجي لكل شيء طيب وجدير بالتنمية والرعاية، والناس على دين ملوكهم، والقوة هي التي تشكل المجتمع وليس العكس، ونحن نشكل مؤسساتنا ثم تقوم هي بتشكيلنا، فكيف ما كانت نكون!. 

اليمن والصراع على السلطة:

ربما كانت المعضلة الجوهرية في المجتمعات التقليدية المساواتية الانقسامية تكمن في الصراع الدائم على السلطة السياسية بعكس المجتمعات التدرجية حيث كل طبقة من طبقات المجتمع تعرف حدود قدرتها وحقوقها. في المجتمعات المساواتية التي يعد فيها كل فرد من أفراد المجتمع المتعين على درجة متساوية مع معظم افراد مجتمعه في الحسب والنسب العشائري والقبلي أو القروي المناطقي بمعنى لا أحد أفضل من غيره. كلنا عيال تسعة! كما يقولون. في هذا المجتمع المساواتي عند الوضع الأصلي تكون البنية الانقسامية جزءا جوهريا من نسيجه التقليدي طبعا هويات ومرجعيات دائرية اشبه بالقنبلة العنقودية (عائلات، عشائر، قبائل، قرى، مناطق، جهات، طوائف، مذاهب، ملل، نحلل، حارات، شوارع، مدن..الخ) من اشكال التجمعات السكانية التي توجد بجانب بعضها بعضا لا مندمجة ولا منفصلة. تجمعها رغبة العيش المشترك في أرضها التي وجدت نفسها تنتمي اليها وتحمل أسمها. وقد كانت ولا زلت السلطة السياسية مشكلة عويصة في كل مكان وزمان ولا توجد غير ثلاثة خيارات مجربة لضبطها وتداولها بحسب عالم الاجتماع الفرنسي (ماكس فيبر) وهي: الوراثة كما هو حال الممالك والسلطنات التي تتوارث الملك والحكم بين الأجيال بوصفها حقا طبيعيا. والقوة بالقهر والإخضاع كما هو حال الغزاة والطغيان والاستبداد بمعنى الحكم بقوة السيف والساعد والثالثة هو الديمقراطية العلمانية وهي أفضل الطرق المجربة أو التقنيات المبتكرة لحل معضلة السلطة بالتداول السلمي في معظم الدول المستقرة. وانا أتأمل في حال مجتمعنا اليمني لاحظت ظاهرة غريبة جدا إلا وهي إن مشكلة السلطة وإدارة الشأن العام هي أخطر المشكلات التي تحتدم حولها المعارك منذ أقدم العصور ومع ذلك لا زلنا نتعامل معها بلا جدية ولا اهتمام ولا مسؤولية حقيقية. حتى المعايير الشكلية البسيطة التي ممكن أن تخفف من حدة الصراع على السلطة وتفننها – أقصد المساواة في توزيع الفرص بين الفعاليات والحساسيات الاجتماعية القائمة بحسب الحجم والقوة والوزن والمكانة وبحسب الشهادات العلمية والتخصص والكفاءة والخبرة والسمعة النجاح المهني وغيرها من المؤشرات والمعايير الشكلية حتى هذه يتم تدميرها بغباء لا مثيل له يقود الجميع إلى التهلكة دائما في دورات متكررة من الحروب والنزاعات والتمردات والثورات المرهقة.

والمتتبع للتاريخ اليمني سوف يجد أن الصراع على السلطة والثروة قد شكلا العامل الأساس في الصراع بين العصبيات والقوى التقليدية المتنازعة على الاستئثار بعناصر وأدوات القوة، السلطة والحكم والثروة والأرض والعقيدة والهوية وكل فرص العيش الممكنة، وفي سياق ذلك المحور الملتهب للعصبية السلطوية بمعناه الخلدوني كان ومازال يجري توظيف الدين والطائفية والمناطقية والقبلية بطرق وأشكال مختلفة في شمال اليمن وجنوبه؛ ولأن اليمن بلد فقير وإمكانياته محدودة جدا فإن الحصول على الثروة قد تطلب أن يقوم على قهر وسلب الفئات المنتجة وحرمان الفئات الضعيفة والمهمشة، وبهذا أصبحت (السلطة) تسلطية عنفية تستخدم أداة للقهر والظلم والحرمان وبؤرة للصراع الدائم غير أن بناء وتأسيس الدول لا يقوم ولا يدوم إلا على أساس الشراكة المجتمعية التي تقوم على قوة الحق؛ حق كل مواطن في أرضه ووطنه بغض النظر عن مواقفه واتجاهاته السياسية والأيديولوجية، والدين لله والوطن للجميع! وسبب خراب اليمن يكمن في أن النخب السياسية الغبية التي جعلت من حق القوة قاعدتها الأساسية، إذ إن كل من استولى على السلطة سعى لأقصاء الآخرين منذ ١٩٦٢ في صنعاء الجمهورية اليمنية ومنذ 1967 في عدن الجمهورية الشعبية بنِسَب متفاوتة من العنف والقسوة إلى أن جاء من يقصي جميع الإقصائيين، جاء من غياهب التاريخ وأعلن نفسه مالك اليمن وما عليها تحت راية طائفية من خارج التاريخ، اسمها (أنصار الله). وبين العنف والسلطة علاقة جدلية تفاعلية تبادلية ؛ فهما منفصلان ومتصلان في آن واحد حيث تتأسس الثانية على توقف الأولى والعنف هو أولا قبل- سياسي لأنه يشير الى الوضعية التي تسبق ظهور سلطة سياسية ما، تلك هي المشكلة التي استقطبت اهتمام كل من (هوبز وروسو وكلاستر) وهو _ العنف_ ثانياً ضد – سياسي لأنه ينذر بدون توقف بانهيار النظام السياسي وهو أخيرا ما بعد – سياسي لأنه يبعد السياسية عن السلطة وينقل مركز القوة والنفوذ إلى دوائر أخرى خارج المجال السياسي وقواعد لعبته اذ تأخذ صور شتى؛ اقتصادية وتقنوية وبربرية وفوضوية تجعل تحقق المواطنة في المجتمع امرأ مستحيلا. ورغم هذا التعارض بين السلطة السياسية والعنف من حيث الماهية، فإن العنف يجد نفسه تجريبياً مقترناً دائماً بالسلطة ومتداخلاً معها اذ يشغل مكانة داخلها، وداخل السياسة بما هي علاقات قوى تنافسية واستراتيجيات مصالح متصارعة وهذا ما يظهر بقوة في مقدمة ابن خلدون وفي أعمال (نيقولا ميكافيللي)، الذي كان أول من حدد تقديرهما أي “العنف والسلطة” بأكبر قدر ممكن من الدقة لا سيما في كتابه الشهير الأمير انجيل السياسية الحديثة إذ إن تقدير كمية العنف والسلطة هو ما يؤسس في نظره السياسة والمجال السياسي المستقل بقوانينه الخاصة ويتعلق الأمر هنا بمقدار ما تحتاجه السلطة السياسية من العنف للحفاظ على السياسية، دون الخطأ في تقديره لأن الإفراط في مقدار العنف يلغي السلطة فعلاً ويهدد السياسة والنظام السياسي بالتفكك والاضمحلال وبالزوال ، وهذا هو معنى العبارة (لا تدوم الدول إلا بعدل صحيح وأمن راسخ وأمل فسيح) بحسب الماوردي، الإحكام السلطانية.

إن السلطة يجب إلا تظهر بمظهر من يستخدم العنف العاري بل بمظهر القوة القائمة بدقة على الحق وهذا هو ما قصده ماكس فيبر، بالشرعية العقلانية للسلطة السياسية أو «بالعنف المشروع» حتى في الحالات الصعبة لا تستطيع السلطة في أية حالة أن تستسلم للعنف العاري _بل لا يجوز لها ذلك أبدا حتى لو امتلكت القدرة والاستطاعة على استخدام العنف المفرط الاعتباطي وغير المبرر وإلا فإنها ستنفي ذاتها كسلطة سياسية وتفقد مشروعيتها العقلانية العامة ، لهذا فالعنف ترياق مسموم بالنسبة للسياسة – حسب أفلاطون- «فارموكان» فيه الداء والدواء، إذ إن كل عنف باعتباره ملجأ للضعيف وليس للقوي يكشف عن ضعف (عن مرض ما) عن خلل خطير في الجسم السياسي. كما إن اللجوء غير الملائم إلى العنف يدخل السلطة مرة أخرى في وضعية (حرب الجميع ضد الجميع السابقة على إقامة السلطة السياسية) حسب (هوبز) تلك الحالة التي تتساوى فيها كل الكيانات بالقوة والأهلية وتضيع فيها الشرعية والحق الشرعي وهكذا يحول العنف جهاز السلطة المبني على أساس الحق الى جهاز للعنف والقوة والقمع والقهر، جهازا يدخل في حرب مع أجهزة أخرى للعنف ويلغي وضع تعاليه السياسي بوصفه سلطة على كل ما يقف في وجهها ومن ثم تقويض مشروعية قوتها وشرعية وجودها.. ان العنف الذي تلجأ أليه السلطة يظل دوماً محفوفاً بالمخاطر مثلما هو الشأن بالنسبة للعنف الذي يهاجمها. وترى كل من الأمريكية (حنة ارندت وكلود لوفور) بأن العنف يفضي إلى اختفاء السياسة في الأنظمة الشمولية، وإحلال العنف قوة تسلطية وحيدة محل السلطة السياسية يسيران بنفس الوتيرة ويتلازمان بحيث أن حضور أحدهما يعني غياب الآخر لأن حلول العنف محل السلطة يجعل الأخيرة ضائعة المعالم وغير متعرف عليها وعلى شرعيتها السياسية، وبذلك كان الطغيان والاستبداد اللذان يستندان على قوة العنف والقهر والإجبار هو تسلطية وليس سلطة حقيقية إذ لا تكون المبادئ (المداخل والمخارج) مستبطنة من طرف أولئك الذين يخضعون له أي المحكومين به فضلاً عن ذلك فهو لا يتوفر على دعامة إيديولوجية سوى إرادة المستبد الحسنة أو السيئة ومثلما أكد افلاطون بأن المستبد بوصفه سجين عالم باطني لا يستطيع السيطرة عليه يعيش مفتوناً باضطراب رغباته واهوائه الخاصة به، إذ إن الاستبداد شكل سياسي يوجه فيه العنف الباطني للمستبد السلطة ويحيلها الى تسلط، وهكذا نتعرف في هذا التحليل على أحد أوجه الـ «بدون- أساس» الذي أشار اليه (هيدجر) في كتابه (مبدأ العلة) فالقوى الاستبدادية لا تعرف لماذا ولا بواسطة ماذا هي جائرة انها هي نفسها تسقط أولاً ضحية هذا الجور قبل أن تصير استبدادية، إنها لا تعلم بتاتا أن العنف «بدون لماذا» «بدون علة» «بدون- أساس» يستحيل تبريره بل ينكشف بعده باطل وجور لا يجب السكوت عليه. إن السلطة التي تتخذ من العنف الخيار الوحيد في حل مشكلاتها وأزماتها تعمل على تقويض ذاتها وتهديد حياة مجتمعها، اذ يستحيل تبرير مشروعية العنف في كل الحالات، فإذا لم يكن العنف استثناء تستدعيه ضرورة قاهرة وفي لحظة مباغتة للحفاظ على حياة الناس ومصالحهم وتأمين سعادتهم ومستقبلهم ضد أي تهديد خارجي مؤكد، فإن السياسة والتسلط السياسي تضع نفسها على شفير الهاوية، يصف (برايان وينكر) اليمن-في كتابه (ميلاد اليمن الحديث)- بأنه بلد ذو تاريخ طويل للأرض وقصير للدولة. وليس في توصيف كهذا مبالغة، فالتاريخ السياسي للبلاد تأريخ جهوي تمحور حول الجغرافيا، فهذه -من خلال ما فرضته من موقع معزول وتضاريس متنوعة وصعبة وبما منحته من موارد شحيحة- ظلت وما زالت تتمتع بسطوة على الحقل السياسي، وكانت قادرة دوما على التدخل فيه والتأثير عليه، واستطاعت ان تكون الطرف الأقوى في العلاقة التي جمعتها بالحياة السياسية وبالدولة، وأن تكون البوابة التي تمر عبرها علاقة الأفراد والمجتمع بهما. فبسبب موقعه القصي، وما يوفره هذا الموقع من منعة، أصبح اليمن فردوسا مرغوبا للمتمردين والخارجين على دولهم، ومقصدا مفضلا للدعوات الدينية المتسيسة منذ القرن منذ قدوم أبرهه الحبشي وجيشه مرورا بسيف بن ذي يزن إلى الإمام الزيدي الهادي الرسي واخيرا أسامة بن لادن.

إن الدولة بوصفها مؤسسة المؤسسات الوطنية الجامعة هي البيت السياسي المشترك للمواطنين القاطنين في مكان وزمان متعينين بينما السياسية هي اللعبة التي يمارسها سكان البيت في الصراع على عناصر القوة؛ السطلة والثروة والوظيفة العامة والجاه والتمثيل … الخ. فاذا لم تأسس الدولة على أساس تعاقدي دستوري مدني يكفل حقا متساويا لجميع المتعاقدين في العيش الكريم والحصول على الفرص فمن العبث الحديث عن السياسة ونتائجها. اليمنيون عجزوا عن تأسيس بيتهم السياسي المشترك (الدولة) فصاروا يتصارعون في الشارع على الجثة المتعفنة. وصراع الشوارع لا حكم عليه ولا معيار له. حرب الجميع ضد الجميع!

لا شك أن أزمة النخب العربية واليمنية تحديدا هي ملمح من ملامح الأزمة البنيوية المستفحلة في صميم المجتمع العربي التقليدي الذي لا زال خاضعا لهيمنة المجال السياسي على كل المجالات الأخرى(الدين والاقتصاد والمجتمع المدني والثقافة والتربية والعدالة والفكر والفلسفة والفن والأدب والعلم) وكل شيء تقريبا إذ “ولد المجال السياسي العربي الإسلامي مع ميلاد الصرح الإمبراطوري المقدس وبحكم هذا الميلاد ظل السياسي يستمد شرعيته من خارج مجاله، من الديني أو النموذج المثالي لشرعية الخلافة التي كانت موضع صراع عنيف منذ البدء وبهذا كانت حركات المعارضة في الإسلام تتخذ صورة تضامنات عمودية تحركها شبكات مغلقة بين أفراد متذررين (بمعنى متفردين أو ذوات فردية) يهتاجون في سبيل إعادة بناء مسرح أخر للسياسة ” وبذلك كانت المدينة الإسلامية تفرض نفسها بوظيفة مزدوجة: عسكرية ودينية قدمت كل العناصر القابلة للانفجار والانقسام عبر النخب الدينية وطوائفها ومن خلال إعادة تشكيل العصبيات في المدن والأرياف، بصيغة تضامنات عمودية: طائفية ومذهبية وموالاتية” تلك هي الصيغة التي قال بها (ماكس فيبر وغولدزيهر وجوزيف شاخت وارنست) وغيرهم بتنويعات متعددة؛ صيغة الدور المركزي الذي لعبته (السلطة المحاربة) في بناء الإمبراطورية الإسلامية”.

أن الحلف المقدس بين السياسي والديني في المجتمع العربي وهيمنتهما على كل الفضاءات الاجتماعية الأخرى قد أفضى إلى تجفيف المنابع الطبيعة لتخصيب ونمو النخب المدنية والثقافية والفكرية التي تحمل على عاتقها وظيفة تنمية وتنوير المجتمع المدني بوصفه عددا من المجالات والعلاقات المتعددة؛ العلاقات الحميمية، في المجال الخاص، مجال الأسرة، مؤسسة القرابة التقليدية الأولى، والعلاقات السياسية للحياة الاجتماعية المشتركة، المجال العام، مجال السياسة والسلطة، وعلاقات الاقتصادية حيث المنافسة والربح والاحتكار مجال السوق، والعلاقات المدنية “حيث يجد الإفراد فرص للتعبير عن مقدراتهم وتطلعاتهم ومواهبهم واهتماماتهم الحرة، مجال العلاقات المهنية والحرفية الإبداعية وغير الإبداعية في المجال المدني، حيث تختفي علاقات القرابة الحميمية، وعلاقات السياسة التسلطية، وعلاقات السوق التنافسية الربحية” هنا يمكننا التعرف على المجتمع المدني في الرحم الحي لتخصيبه، ولكن هل يمكن للمجتمع المدني ونخبه الفاعلة أن يتخصب وينمو ويولد ويزدهر من ذاته ولذاته وبدون قوى وشروط فاعلة؟ والدولة المدنية التي تقف على مسافة واحدة من جميع المواطنين الذين ينتمون اليها هي أهم شروط وقوة في ولكن هذه الدولة (مؤسسة المؤسسات) كانت ولازالت هي الغياب الكبير في المجتمع العربي الإسلامي يقول: توني .أ.هب “إن الولايات القانونية في العالم الإسلامي لم تنشأ مطلقاً لأن المسلمين كلهم أعضاء في الأمة الواحدة ولا يجوز فصل المسلمين إلى جماعات يتميز بعضها عن بعض شرعاً” وهناك شبه إجماع بين الدارسين بأن المجتمع العربي ما زال يعيش نمط العلاقات البطريكية بمؤسساتها التقليدية التضامنية الميكانيكية العمودية، ولم يستطع الانتقال إلى نمط العلاقات الحديثة بمؤسساتها التضامنية العضوية العريضة. ويمكن رصد الفروق بين المجتمع التقليدي والمجتمع الحديث في جملة من السمات منها قدرة المجتمع الحديث على تنميط علاقات تشاركية عضوية بعكس المجتمع التقليدي الذي يحدد مواقع الناس بمعايير تقليدية معزولة عن بعضها وعن المركز. بل إن الحداثة الديكورية في المجتمعات التقليدية يمكن أن تزيد الصراعات البينية بين الجماعات التقليدية وبينها مجتمعة ضد الجماعات الحديثة، هكذا كتب (صاموئيل هنتجتون) “إن الجماعات العرقية والدينية التي عاشت بسلام، جنبا إلى جنب في مجتمع تقليدي، تصبح مدفوعة إلى صراع عنيف نتيجة للتغيرات والتوترات واللا مساواة المتولدة عن الحداثة الاجتماعية والاقتصادية”

والخلاصة أن هيمنة المجال السياسي على المجال الديني في الحضارة العربية الإسلامية وتوظيف هذا الأخير لمقتضيات الشهوات الإيديولوجية قد عرقل ميلاد ونمو النخب الفاعلة بعكس الحال في واقع الحداثة الغربية التي ولدت من فك الاشتباك بين المجالين، المقدس والمدنس، وتأسيس الدولة العلمانية التي مهدت السبيل لظهور ادوار اجتماعية تستدعي حضور النخب الفعالة في كل مجال من مجالات الفعل والنشاط الاجتماعي بالمعنى البوردوي (نسبة إلى بورديو) وبإزاء هذا الإخفاق العربي الشامل في تأسيس المجال السياسي المستقل سرعان ما تتحول المعارضة إلى ضرب من الهيجان الطائفي والتعصب العدائي العنيف. وهذا ما يفسر انبعاث هذه الموجة الكاسحة من خطابات الهويات القاتلة التي آخذت تشيع في المجتمعات العربية الإسلامية اليوم على نحو خطير ومثير للحيرة والفزع (شيعية، سنيه، مسيحية، عربية كردية، في العراق وسوريا. ومسيحية، شيعية، سنية، درزية، في لبنان. وزيديه، حوثية، اثنا عشرية، سنية، سلفية، عشائرية، جهوية في اليمن، ولغوية أثنية عربية، أمازيغية’ إسلامية في الجزائر، ومسيحية إسلامية، جهوية في السودان وعشائرية طائفية مناطقية في ليبيا..الخ) يحتدم كل هذا في فضاء ثقافي نفسي مشحون بعنف مادي ورمزي، وهستيريا عصابية جماعية عدائية شديدة التحريض والانفجار (روافض، نواصب خوارج، مجوسية، صفوية، قاعدة، أنصار الشريعة، شيعية، حزب الله، أنصار الله، داعش والنصرة ..الخ ) هذا فضلا عن الترسيمات التقليدية للطوائف والمذاهب (سنة، شيعة، خوارج، روابض، والمذاهب الخمسة، المالكي والحنبلي والشافعي، والحنفي والزيدي، وما تناسلت منها من فرق وملل ومذاهب ونحل لا تعد ولا تحصى في عالمنا العربي منها: الوهابية والحوثية وغيرهما. والسؤال الملح هنا هو ما الذي جعل هذا التنوع الهوياتي في المجتمع العربي الإسلامي يتحول إلى شر مستطير، بينما هو في مجتمعات كثيرة أخرى مصدر قوة ودليل صحة وعافية كما هو الحال في الهند والصين وروسيا وأمريكا واستراليا وكندا وجنوب أفريقيا وغيرها من الدول التي تضم طيفا واسعا من الهويات (ديانات، أقليات، أعراق، أثنيات، لغات، طوائف، ملل، نحل، ومذاهب وما لا يعد ولا يحصى من الجماعات الثقافية المتنوعة) وهكذا جاء الإسلام السياسي المعاصر ليكرر ما حدث منذ فجر الإسلام وقاد إلى الانقسام ولكن بصور أخرى مختلفة نسبيا في الملامح والقسمات في ظل غياب الدولة المدنية الرشيدة “لا يوجد أي مجتمع تحترم فيه القواعد تلقائيا” ووظيفة السلطة هي الدفاع عن المجتمع من نقائصه الخاصة، ومن التهديدات الآتية من خارجه. فكيف هو حال السلطة والسلطان في مجتمعاتنا العربية الإسلامية الآن؟ ولطالما استشهدنا بحديث الخليفة الراشد عثمان بن عفان: (أن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن) والعدل أساس الملك، ولا تدوم الدول إلا بعدل صحيح وأمن راسخ وأمل فسيح، حسب الماوردي.

من الروضة والمدرسة تكون البداية:

لما كان العلم والتعليم هو العنصر الجوهري في كل ثقافة كي يتغير العالم، يحتاج المرء إلى تغيير الطريقة التي يصنع بها العالم. هذه هي الرؤية والممارسة العملية التي يتم عبرها إنتاج وإعادة إنتاج الجماعات “بحسب بورديو فكيف يتم النظر إلى العلم في المجتمعات العربية الإسلامية؟.

في الواقع مازال مفهوم العلم في الثقافة العربية الإسلامية المعاصرة محاطاً بكثير من اللبس والغموض والتشويش، وذلك بسبب الخلط المضطرب بين الاستعمالات المختلفة للكلمة. يورد ابن منظور “علم: من صفات الله عز وجل العليم والعالم والعلام .. والعلم نقيض الجهل، علم علما، ورجل عالم وعليم من قوم علماء، والعلم بمعنى (الفقه والتفقه)، فالعلم بالشيء هو الفقه فيه. والعلم بمعنى (اليقين)، وهكذا تعددت معاني كلمة (علم) في الثقافة العربية الإسلامية لتشمل حقولا كثيرة ودلالات مختلفة، منها: العلم بمعنى التأويل والإيمان، وقد ألمح ابن خلدون في تصنيفه للعلوم إلى “أن العلوم التي يخوض فيها البشر ويتداولونها في الأمصار تحصيلاً وتعليماً هي على صنفين: العلوم الشرعية النقلية والعلوم العقلية” ورغم ما تضمنه القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة من إشارات إلى العلوم العقلية؛ مثل (تعليم اللهِ آدمَ الأسماء كلها) وتعليم (سيدنا داؤود استعمال الحديد)، وحديث الرسول – صلى الله عليه وسلم – في تأبير النخيل (أنتم أعلم بأمور دنياكم)؛ إلا أن (توبي أ. هف) ذهب إلى “أن بنية الفكر والعواطف في الإسلام في القرون الوسطى بشكل عام كانت ذات طبيعة جعلت طلب العلوم العقلية وعلوم الأولين أمراً يثير الشكوك” وفي عصرنا الراهن مازال الجدل محتدماً بشأن كلمات (العلم والعالِم والعلماء) التي نطلقها على كثير من أنماط المعرفة لا يشملها مفهوم (Science) العلم بالمعنى المتواضع عليه في الابستيمومولوجيا المعاصرة. كتب ريموند وليامز: “قد تبدو كلمة Science علم – الآن – بسيطة جداً، ولكنها خضعت لمسار تاريخي واجتماعي طويل حتى استقر معناها منذ منتصف القرن التاسع عشر حينما صرّح عالم الكيمياء الإنجليزي هول عام 1840 معربًا عن قلقه بشأن معنى العلم والعلماء، قائلا: “نحن في أمس الحاجة إلى اسم يصف من يدعي العلم Science بشكل عام بما يجعلنا نصفه بالاسم scientist عالِم”، ويضيف وليامز: “بحلول عام 1867 تم العثور على الوصفة الواثقة الواعية المستوعبة لجدة الاستعمال والمعنى الذي منحه إياها الإنجليز بمعنى علم مادي وتجريبي مستبعداً الثيولوجيا والميتافيزيقا” على هذا النحو اكتسب مفهوم العلم مسارًا متعرجًا في تحولات المفهوم وسياقات المعنى؛ ففي بواكير العصر الوسيط “كانت الكلمة (scientia) تطلق على المعرفة النسقية المكتسبة بالدراسة المنتظمة، وقد استخدمها فرنسيس بيكون بمعنى المعرفة التي تضم التاريخ والفلسفة ومبادئ الأخلاق واللاهوت تمييزاً لها عن كلمة (art) التي تعني فن بمعنى مهارة وحرفة. وقد ظلت الكلمة تطلق على حقل الدراسة النظرية النظامية حتى أواخر القرن التاسع عشر؛ إذ جرى استبعاد مجالات معرفية أساسية وأصيلة مثل الفلسفة والأدب والتاريخ واللاهوت لينحصر معنى الكلمة على العلوم الطبيعية التجريبية (الفيزياء والكيمياء والأحياء) وهذا هو ما حفز عالم الاجتماع الفرنسي (أوجست كونت) إلى محاولة تأسيس علم اجتماع وضعي يستلهم منهج العلوم الطبيعية. وهكذا تم تصنيف العلوم في الابستيمولوجيا المعاصرة إلى: العلوم الطبيعية البحثة بوصفها علوماً حقيقة، والعلوم الإنسانية الاجتماعية وتأتي في المرتبة الثانية في سعيها إلى اكتساب جدارة المعرفة العلمية، والعلم هو نوع من المعرفة، لكن ليس كل معرفة علماً. ويذهب (روبرت موتون) إلى “أنه إذا كان مصطلح (علم) يعبر عن حقائق مختلفة للغاية، فإن علم اجتماع العلم يهتم بالصيغة التي ترى العلم بوصفه مجموعة قيم ثقافية تؤثر في النشاطات المعرّفة أو (المصنفة) علمية” وفي قاموس أكسفورد المختصر جاء: “العلم هو ذلك الفرع من الدراسة الذي يتعلق بنسق مترابط من الحقائق المبرهنة، بصيغة قوانين عامة، ومسلمات مستخلصة عبر طرق ومناهج موثوق بها، لاكتشاف الحقائق الجديدة في ذات التخصص” في ضوء ما تقدم ولأغراض هذا البحث يمكن تعريف العلم : بمنظومة الأفعال والأقوال التي يمارسها العلماء في بحث ودراسة الظواهر الطبيعية والإنسانية ومحاولة تفسيرها وفهمها والكشف عن حقائقها المحتملة على الدوام، وذلك باستعمال مجموعة من الطرق والأدوات المنهجية التجريبية والاستدلالية العقلانية بالتزام قيم معيارية موضوعية ومجردة قابلة للقياس والنقد والتقييم. وفي ذات السياق يمن لنا تعريف مفهوم العلوم الإنسانية Human Science: إذ أن مصطلح العلوم الإنسانية يتضمن العلوم الاجتماعية “فالكثيرون وعلى رأسهم كلود ليفي شترأوس، يطابقون بين مصطلحي (Human Science وSocial Sciences ) وترى (يمنى طريف الخولي) أن مصطلح العلوم الإنسانية الذي بدأ يسود في السنوات الأخيرة يبدو أصوب؛ لأن الإنسان هو المحور لهذا النمط من الدراسات. وربما بدأ التمييز بين العلوم الاجتماعية والإنسانية على نحو جاد في السنوات الأخيرة، وهذا هو ما فعله عالم النفس الأمريكي (جيروم كيغان) في الثقافات الثلاث؛ إذ حاول تحديد نطاق كل من العلوم الثلاثة: الطبيعية والاجتماعية والإنسانية في جملة من المحددات والسمات في قائمة بيانية أسماها (مقارنة الثقافات الثلاث من خلال تسعة من النطاقات). إذ حدد العلوم الاجتماعية بـعلم النفس وعلم الاجتماع وعلم الأنثربولوجيا وعلوم اللغة وعلم السياسة وعلم الاقتصاد، أما العلوم الإنسانية فهي بحسب زعمه تضم الفلسفة والتاريخ والنقد الأدبي والجمالي والدراسات النسوية وعلم الأخلاق والدراسات الثقافية. تجدر الإشارة إلى أن جيروم صنف العلوم من منظور علاقاتها بالمنهج العلمي؛ إذ “يتفاوت العلماء في درجة اعتمادهم على ثلاثة أنماط من الهياكل العقلية حال وصفهم أو تفسيرهم للظواهر أيًّا كانت: المفاهيم والمعادلات الرياضية، وشبكات التعبير اللغوي، والوصف القائم على تنظيم المدركات الحسية” وتلك هي الأدوات المنهجية التي يستعملها كل من أراد أن يشتغل بأحد العلوم الثلاثة. في الوقع لا توجد حدود قطعية بين أنساق المعرفة العلمية الثلاثة، فجميع العلوم هي إنسانية في آخر المطاف بمعنى أنها من إبداع الإنسان ومن أجل سعادته، وربما كان التمييز بينها يأتي لضرورة منهجية.

والخلاصة يمكن تعريف العلوم الإنسانية بأنها: تلك العلوم التي تهتم بدراسة الإنسان بوصفه كائناً اجتماعياً وتضم العلوم الاجتماعية والنفسية والتربوية والاقتصادية، فضلا عن الفلسفة والأنثربولوجيا والتاريخ والسياسة والقيم واللغة والعلم والدين والأدب والثقافة عامة. إن نظرة متأملة في تراثنا التربوي التعليمي العربي الإسلامي التقليدي تجعلنا نؤكد بإن الأطر القيمية التربوية والتعليمية المعرفية والذهنية التي كانت ولا تزال سائدة في حياتنا الراهنة لم تعد قادرة على القيام بوظيفتها أمام تحديات ومتغيرات الحياة الراهنة بل غدت عديمة الفائدة وشديدة الخطر بما تحمله من قيم تربوية وتعليمية عفى عليها الزمن .إذ ما زالت المدرسة عندنا عبارة عن مصنع لإنتاج البضاعة ذاتها منذ أبو الحامد الغزالي وسفينة الصحراء – أي إنتاج المجتمع القديم ذاته لان نُظمنا التربوية والتعليمية لم تتغير لتواكب متغيرات الحياة النامية باستمرار ولم تفسح المجال للتلاميذ والطلاب في أن يفهموا ما يعرفونه جيدا. إن كل شاب مجبر خلال عشر أو عشرين سنه من حياته على البقاء جالسا في أحسن وقت من يومه في قاعة مكتظة اكتظاظا شبه دائم أمام لوح الأسود لكي يتابع دروسا فرضتها عليه إدارة بعيدة عنه ولا تمت بصلة تذكر إلى اهتماماته السيكولوجية والثقافية والفكرية والاجتماعية والبيولوجية أو حتى الاقتصادية والبيئية- في هذا التعليم الذي لا يعني شيئا للتلاميذ والطلاب يجعلهم يلجأون إلى الحلم والشرود الذهني أو النوم، إذ نجدهم ليسوا حاضرين حقا وفعلا في قاعة الدرس الا باجسامهم أما حضورهم الذهني فلا يكون إلا بمعدل دقائق في اليوم، لحظة دخولهم القاعة وخروجهم منها فقط. غير أن هدوءهم وخجلهم المصطنع في مقاعد الدراسة خوفا من العقاب فضلا عن كبت فضولهم واسئلتهم ورغباتهم مجبرين لا مختارين يتحول فيما بعد الى “غباء ارتكاسي” وسلوك منحرف وجنوح خطر إذ إن طاقة المراهقة فيهم وقد كبتت وتركت دون رعاية وتنمية وتربية، تجعلهم يصرفون النظر عن الثقافة الجادة لحساب ثقافة تحتية أو سلبية عنيفة كما تشهد بذلك نتائج التعليم التقليدي الراهنة في حياة مجتمعاتنا العربية واجيالها الشابة.

  وتجدر الاشارة الى أن التربية السليمة لا تقوم في تكوين بشر بحسب أنماط جاهزة ونماذج مشتركة ومسبقة التصور والتصميم، بل تكمن مهمتها الأساسية في الإفراج في كل طالب وطالبة عما يحول دون أن يكون ذاته/ ذاتها الإنسانية الناضجة، وفي أن تخوله أن يحقق ذاته بحسب خصائصه الفردية وقدراته واهتماماته ومواهبة الشخصية العميقة التي تختزنها ذاته/ ذاتها في أعماقها وكل ما تحتاجه هو منحه الفرصة والحريّة الكافية للتعبير عنها وتنميتها، وعندما نبلغ أعمق ما في الذوات الفردية للناشئة فإن ذلك العمق هو ما سيكون بنائيا خلاقا وناميا وجديرا بالقيمة والتربية والتنمية نحو الأفضل نفعاً وعدلا وجمالا وخيرا وكمالاً. وحينها تستطيع الجامعة أن تحقق مثلها الأعلى في تنمية وتنوير العقول إذ إن المثل الأعلى للجامعة لا يتمثل في منح الطلاب المعرفة بقدر ما يتمثل في منحهم القدرة على فهم واستخدام المعرفة التي اكتسبوها في سنوات حياتهم العشرين الأولى وبذلك تكون وظيفتها الجوهرية -الجامعة- هي العمل على تحويل معرفة التلميذات والتلاميذ إلى قدرة الرجال والنساء المعول عليهم في بناء وتنمية المجتمعات في حين أن نظام التربية والتعليم التقليدي بمناهجه وأدواته وقيمه البالية هو من يعمل على هزيمة الاهتمام والفضول والدهشة والرغبة في المعرفة والانتباه وإحباط فطرة الإنسان في حب الاستطلاع والتساؤل والحلم والخيال والتخييل ومثل هذا النمط من التعليم الذي يقوم على الحفظ والتلقين لا ينتج إلا أناسا ممتثلين أو متمردين أو منحرفين خطرين على ذواتهم وعلى أسرهم وعلى مجتمعاتهم وعلى التعليم ذاته ويعمق الغربة والاغتراب بين الافراد وحياتهم وعصرهم وزمانهم. وحين نضغط على الأطفال التلاميذ والطلاب والطالبات أو نثقفهم بثقافة الطاعة والسكون والأدب يبقوا صامتين منفذين للتعليمات بروح سلبية لا مبالية بدلا من تشجيعهم على طرح الأسئلة وتنمية قدراتهم ومواهبهم بحرية وهنا يتحول الفضول الطبيعي إلى سلبية ورغبة في تجنب الآخرين، كما يتعود الأطفال على تخطي واهمال أسئلتهم وأجوبتهم النابعة من ذواتهم الحرة وبدلا من ذلك يسعون إلى توجيه الاسئلة والاجابات التي يعتقدون إن الآباء والامهات وكبار السن والأساتذة يودون سماعها منهم، وما أن يصلوا مرحلة الجامعة حتى يكون الطفل الموجه داخليا قد أصبح البالغ الموجه خارجيا وهكذا يحل الحذر والسلبية محل الفضول والرغبة في التساؤل، كما يحل تدوين ملاحظات افكار الآخرين محل التفكير النابع من الذات، كما يحل التيقن محل التفكير. وحين نرهق الولد بما لا يسد أي رمق أو لا يشبع جوع، أو يبل عطش، وحين نخنق تلك الحاجة العجيبة للتلميذ إلى المعرفة والفهم والاستكشاف والنشاط واللعب، أي بكلمة حين نخنق الحاجة إلى أن ينمو، أي يصير انسانا، لا طفلا كبيرا- والشرير هو طفل كبير أسيئت تربيته- وقد أكدت الدراسات العلمية إن كبت الحاجات الفطرية للفضول والتساؤل والفهم والاكتشاف عند الأطفال والمراهقين حد اختفاءها الظاهر لا يعني محوها واختفاء أثرها من حياتهم الراشدة بل يعمد اللاوعي الى تأجيلها أو إزاحتها واستبدالها وتمظهرها على نحو لا إرادي جملة من مظاهر السلوك الشاذ أو غير السوي كحلم اليقظة والشرود الذهني، والانحرافات الشاذة، والمشاغبة واللامبالاة والكسل والتسيب والتسرب والخوف والاتكال والكذب والنفاق والجبن والتهور والغش والجنوح والإدمان والتطرف والسطحية والابتذال وازدواج الشخصية واضطرابها وغير ذلك من الأفعال وردود الأفعال غير السوية الضارة بالحياة الاجتماعية. وهكذا يجب أن نعي ونفهم إن سيكولوجية الولد المكبوته تثأر لنفسها بطرق ووسائل سلبية وخطيرة، كما تفعل دينامية الاقتصاد المكبوت في الدول الشمولية في ازدهار السوق السوداء ومنافذ التهريب والرشوة والفساد. يقول عالم النفس (كارل ساغان): “أن كل فرد يولد مزود بحب الاستطلاع والدهشة مما حوله، غير أن المجتمع يتولى هزيمة ذلك في نفسه، فالأطفال الصغار الذين سيكتشفون العالم المحيط بهم ببطئ ويوجهون التساؤلات البريئة، حول، مثل لماذا لون العشب أخضر؟ أو اين الله ومن هو الله؟ ومن اين ولدت؟ وكيف ولدت؟ يواجهون بردة فعل غاضبة وصارمة وزاجرة كأن يقال لهم لا توجهوا أسئلة غبية؟ أو أستغفر الله العظيم! أو تسخر منه أو تحملق في وجهه أو تضربه .. الخ. وهذا ما يعيق تفتح فطرته الطبيعية ونموها وتنميتها عقلانيا وإنسانيا. ومعلوم إن الكائنات البشرية تولد بغريزة فطرية بالفضول وحب الاستطلاع والتعجب والدهشة والتساؤل المؤدي إلى الاستكشاف والمعرفة والفهم وتقوم التربية السلمية على تنمية هذه القدرة الفطرية وتهذيبها. يقول (جون هوليت): “ليس علينا أن نجعل البشر أذكياء، فهم يخلقون كذلك بالفطرة وكلما علينا أن نفعله هو التوقف عن تربيتهم وتعليمهم الغباء الذي نحمله”!.

ختاما: نكرر التأكيد إن التغيرات المتسارعة في مختلف مناحي حياة المجتمع اليوم تجعل مفاهيم التربية والتعليم التقليدية موضع تساؤل: إذ كيف نعلّم التلاميذ بينما هناك نظريات ومناهج وموضوعات يكون قد عفا عليها الزمن قبل أن يترك التلاميذ مقاعدهم في المدرسة ويضيف أننا نعيش لحظة تاريخية فارقة تجعل التغييرات في الأشخاص عاجزة عن ملاحقة سرعة التغيرات الاجتماعية والثقافية والعلمية المتسارعة في زمن العولمة الذي يشهد انفجار الثورة العلمية والتقنية الرقمية على نحو لم يسبق له مثيل، إن المعارف العلمية والقيم التربوية في عصر العولمة وانكماش الزمان والمكان. عصر العلم والميديا الجديدة تعيش حالة من التغيير والتبدل بوتيرة متسارعة في بضع ساعات فقط. وهذا يعني إن تحديات الحياة المعاصرة لا يمكن مواجهتها إلا بالاستجابة الإيجابية الفعالة وتلك الاستجابة لا يمكن أن تكون إلا بتغيير جذري في أدوات ومحتويات ووسائل وطرق التربية والتعليم العتيقة. فمجتمع الغد أما أن يكون في الروضة والمدرسة أو لا يكون. وهكذا يظل سؤال التربية الملح كما كان في كل العصور. ماذا نريد أن نكون؟!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *