أ.د. عبد الرحمن الزبيري
- التعليم العالي في اليمن من النشأة إلى ما قبل الوحدة:
يُعد عقد السبعينات من القرن العشرين نقطة تحول مفصلية في تاريخ التعليم العالي في اليمن، حيث بدأت ملامح الجامعات الوطنية بالتبلور في كلٍ من شمال اليمن وجنوبه، وبلغ الابتعاث للدراسة في الخارج في مختلف التخصصات العلمية والإنسانية أوجه الى مختلف دول العالم العربية والشرقية والغربية طبقا لتوجه كل نظام سياسي في الشمال والجنوب، وبلغ عدد المبتعثين عدة الآف، رغم الافتقار الى الاحصائيات الدقية إلا إن دفعة واحدة من الشطرين بحسب علمي عام 1974م بلغ عددها اكثر من 450 طالبا معظمهم من الشمال، غير العسكريين أو المبتعثين الحزبيين من الجنوب.
- في شمال اليمن: جامعة صنعاء:
تأسست جامعة صنعاء عام 1970 بدعم من مصر وعدد من الدول العربية، لتكون أول جامعة حكومية في الجمهورية العربية اليمنية (شمال اليمن)، وقد شكّلت امتدادًا طبيعيًا لنمو التعليم العام الذي بدأ يتوسع عقب ثورة 26 سبتمبر 1962. انطلقت الجامعة بكليات ذات طابع نظري ككلية الآداب والعلوم الشرعية، ثم توسعت تدريجيًا لتضم كليات للعلوم والتجارة والطب.
أدّتْ جامعة صنعاء في تلك المرحلة دورًا فكريًا محوريًا، حيث ساهمت في صياغة النخبة السياسية والثقافية الجديدة للدولة الحديثة. تخرّج منها العديد من الكوادر الذين لعبوا أدوارًا بارزة في الإدارة العامة، والتربية، والقانون، رغم التحديات التي رافقت مسيرتها مثل شُح الإمكانيات وغياب التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى.
في هذا السياق، اعتمدت الجامعة بدرجة كبيرة على الكوادر الأكاديمية الأجنبية، خاصة من مصر وسوريا والعراق والسودان. وكانت دولة الكويت تتولى تمويل هؤلاء الأكاديميين عبر التعاقد معهم باسم الجامعة، إذ كانت جامعة صنعاء تعتمد في ميزانيتها التشغيلية والوظيفية بشكل كبير على التمويل الكويتي، قبل الغزو العراقي للكويت عام 1990.
ومن المفارقات البارزة في تلك الفترة، أن الجامعة كانت تغلق أبوابها أمام حملة الدكتوراه من خريجي جامعات الاتحاد السوفيتي ودول الكتلة الشرقية، رغم أن كثيرًا منهم كانوا من مبتعثي الدولة نفسها. فقد ساد في تلك المرحلة موقفٌ عدائي تجاه ما اعتُبر “التعليم الشيوعي”، حيث لم يُعترف بشهاداتهم رسميًا، وتم تصنيفها كـ “دكتوراه وظيفية”، وهي تسمية مبهمة وغير أكاديمية، تعكس التوتر الأيديولوجي القائم حينها. لم يبدأ قبول بعض هؤلاء الأكاديميين بشكل رسمي وفعلي إلا بعد الوحدة اليمنية في عام 1990. ومن المفارقات العجيبة أن خريج دكتوراه في مجال الرياضيات (دكتور ثابت الحميدي) من الاتحاد السوفيتي (جامعة مينسك) تقدم الى جامعة صنعاء للالتحاق بهيئة التدريس قبل الوحدة فأرسلوا شهادته لجامعة امريكية لمعادلتها فردت عليهم الجامعة الامريكية بطلب التعاقد معه للتدريس فيها، وهي حادثة شهيرة يعرفها الكثير.
2.في جنوب اليمن: جامعة عدن:
أما في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (جنوب اليمن)، فقد اتخذ تأسيس جامعة عدن منحًى مختلفًا يعكس التوجه الاشتراكي للدولة. تأسست الجامعة رسميًا عام 1975، مستندة على تجربة تعليمية تأسيسية عبر معاهد وكليات مهنية منتشرة، أبرزها كلية التربية العليا.
انطلقت جامعة عدن بتوجه واضح نحو التخصصات التطبيقية والمهنية، كالهندسة، والزراعة، والاقتصاد، والتعليم التقني. وقد جاء ذلك ضمن رؤية مركزية لبناء دولة اشتراكية حديثة تعتمد على كوادر مؤهلة علميًا ومهنيًا من داخل البلد، وتقليل الاعتماد على الخارج.
استفادت الجامعة من علاقات الدولة القوية مع الاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية، وهو ما فتح أبواب البعثات الدراسية على مصراعيها أمام طلابها وأساتذتها إلى موسكو، وارسو، برلين الشرقية، وبراغ. هذه البعثات أسهمت في تكوين نواة أكاديمية محلية ذات خلفية علمية ومنهجية يسارية واضحة، أثّرت في تشكيل مضمون التعليم وأساليبه في الجامعة.
- خصائص التعليم العالي قبل الوحدة:
رغم الفروقات الفكرية والمؤسساتية بين الشطرين، إلا أن التعليم العالي في اليمن قبل الوحدة تميّز بعدة سمات مشتركة، أبرزها:
- محدودية عدد الجامعات واقتصارها على جامعة واحدة فقط في كل شطر.
- اعتماد واضح على الكوادر الأجنبية في التأسيس والتدريس في جامعة صنعاء، بينما اعتمدت جامعت عدن على كادر تم تأهيله في الاساس في الدول الاشتراكية.
- هيمنة التوجهات الأيديولوجية على السياسات التعليمية، سواء في الشمال المحافظ الذي يقاد من تحالف عسكري- قبلي- عشائري أو الجنوب الاشتراكي.
- عدم الاعتراف المتبادل بأنظمة التعليم والتأهيل الأكاديمي بين الشطرين، ما خلق فجوة معرفية استمرت حتى ما بعد الوحدة.
هذه المرحلة المبكرة، بكل ما حملته من تناقضات وتوجهات متضادة، شكلت البنية الأولى للتعليم العالي اليمني، الذي سيشهد لاحقًا تحولات كبيرة بعد إعلان الوحدة عام 1990.
البنية التحتية للتعليم العالي في اليمن:
إن البنية التحتية للتعليم العالي في اليمن قبل الوحدة هو مقارنة بين علاقات نظامين مختلفين وعلاقاتهما مع محيطهما العربي والانظمة الرسمية العربية التي كانت تناصب العداء للنظام في جنوب اليمن باعتباره نظام ماركسي معادي، مما عكس نفسه على مختلف مستويات العلاقات، ومنها دعم التعليم العالي وتقديم المنح لكلا الشطرين قبل الوحدة. ومن هنا لا يمكننا المقارنة إلا بين جامعتين هما جامعة صنعاء وجامعة عدن.
البنية التحتية والدعم الخارجي:
بدأت البنية التحتية لكل من جامعتي صنعاء وعدن بشكل متفاوت، حيث تميزت جامعة صنعاء في سنواتها الأولى ببنية تحتية قوية نسبيًا، خصوصًا في الكليات العلمية، التي توفرت لها مبانٍ حديثة ومختبرات مجهزة، بالإضافة إلى مكتبة مركزية كبيرة كانت من أبرز معالمها الأكاديمية. وقد ساهم الدعم المالي والإداري الذي وفرته دولة الكويت، والتي كانت تتعهد الجامعة حتى قبل الغزو العراقي للكويت، في جعل جامعة صنعاء في مصاف الجامعات الكبرى في الوطن العربي من حيث الإمكانيات والتجهيزات.
البنية التحتية للجامعتين:
بدأت البنية التحتية لجامعة صنعاء قوية نسبيًا، خاصة مع توفر مبانٍ جامعية مستقلة وإمكانيات مختبرية ملحوظة في الكليات العلمية، إلى جانب مكتبة مركزية كبيرة ومجهزة. وقد ساهم الدعم الكويتي السخي في هذه المرحلة في توفير ميزانية مستقرة، مما مكن الجامعة من أن تضاهي في بنيتها وتجهيزاتها بعض الجامعات العريقة في الوطن العربي.
أما جامعة عدن، فقد واجهت تحديات أكبر على صعيد البنية التحتية نتيجة محدودية التمويل المتاح، رغم الطموح الكبير في بناء جامعة حديثة وفق رؤية الدولة الاشتراكية. وبالرغم من ذلك، استطاعت الجامعة أن تؤسس لنواة تعليم عالٍ تطبيقي ومهني، مستفيدة من الدعم الفني والأكاديمي الذي وفرته بعثات التدريب والتأهيل في دول الكتلة الشرقية.
مقارنة بين جامعة صنعاء وجامعة عدن:
إن المقارنة هنا ليست مقارنة بين نظامين تعليميين، بل بين امكانيات وفرتها ظروف معينة عاشتها الجمهورية العربية اليمنية التي كانت أقرب للأنظمة العربية الرسمية، ولم تتوفر فيها الظروف التي عاشتها جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، التي كانت تعتبر بعيدة عن الانظمة العربية الرسمية، وكانت تحظى بنفس الدرجة من العداء للشيوعية كونها قريبة من الاتحاد السوفيتي، وحليفة له قبل البريسترويكا.
جامعة صنعاء: بنية تحتية متقدمة:
- المباني والمرافق: كانت جامعة صنعاء تمتلك بعض المباني الحديثة ونظامًا تعليميا متقدمًا بالمقارنة مع بعض الجامعات الأخرى في المنطقة. توفرت كليات علمية مجهزة بشكل جيد مع مختبرات متطورة، كما تم إنشاء كلية الطب بدعم كويتي كامل.
- المكتبة المركزية: كانت تمتلك مكتبة مركزية كبيرة التي كانت تُعدُّ من بين أفضل المكتبات في الجامعات العربية آنذاك. كانت المكتبة تعد مركزًا فكريًا للطلاب والأساتذة.
- المختبرات والتجهيزات: تميزت الكليات العلمية بوجود مختبرات مجهزة بأحدث التقنيات، مما جعلها قادرة على استيعاب عدد كبير من الطلاب وأبحاثهم العلمية.
- الدعم الكويتي: كان الدعم الكويتي يلعب دورًا رئيسا في تمويل هذه البنية التحتية. كانت الكويت توفر التمويل الضروري للمرافق والمشاريع التعليمية في جامعة صنعاء.، كما أنها كانت تدفع مرتبات الأساتذة والفنيين الذين يتم التعاقد معهم من دول عربية مختلفة وخاصة مصر، وعددهم ليس بالقليل في كل مجالات العلوم.
جامعة عدن: بنية تحتية محدودة مقارنة:
- المرافق والمباني: رغم أن جامعة عدن كانت قد تأسست بعد جامعة صنعاء بحوالي خمس سنوات، إلا أن بنيتها التحتية كانت أقل تطورًا مقارنةً بجامعة صنعاء، بسبب محدودية التمويل والتحديات الاقتصادية.
- الاعتماد على المعاهد والكليات الموزعة: في بداية تأسيسها، كانت جامعة عدن تعتمد على معاهد وكليات موزعة، ما جعل من الصعب توفير بنية تحتية متكاملة لجميع التخصصات.
- التجهيزات المختبرية: كانت تجهيزات المختبرات العلمية في جامعة عدن أقل تطورًا من جامعة صنعاء، مما أثر على تطور الأبحاث العلمية الى حد ما في الجامعة في تلك الفترة.، وتحول المعهد الفني البريطاني الى كلية للهندسة وبعض المباني في مدينة الشعب الى كليات مختلفة.
- التحديات الاقتصادية والتمويل: كانت جامعة عدن تواجه صعوبة في الحصول على تمويل كافٍ لإنشاء بنية تحتية قوية، مما جعلها تعتمد على الدعم المحلي بشكل أكبر من الدعم الخارجي.
الفروقات بين الجامعتين في البنية التحتية:
- التمويل الخارجي: جامعة صنعاء استفادت من الدعم العربي، خصوصًا من الكويت، بينما كانت جامعة عدن تعتمد بشكل رئيسي على الدعم المحلي وموارد الدولة المحدودة.، ودعم تقني محدود من الدول الاشتراكية وخاصة الاتحاد السوفيتي، وكوبا في مجال الطب.
- التوسع في التخصصات: على الرغم من الفرق في البنية التحتية، كانت جامعة عدن قادرة على التوسع في التخصصات المهنية والتطبيقية مثل الهندسة والزراعة، التي كانت بحاجة إلى تجهيزات عملية، والتي توفرت بحدود بسيطة تفي بالغرض طبقا للظروف التي عاشتها اليمن الجنوبية في ذلك الوقت.
- دور الكوادر العلمية التي أعدتها جامعة صنعاء
- إسهام الطب في جامعة صنعاء في النهضة الصحية
لعبت كلية الطب في جامعة صنعاء منذ تأسيسها دورًا رياديًا في إعداد الكوادر الطبية المؤهلة، وأسهمت بشكل مباشر في تحسين مستوى الرعاية الصحية في شمال اليمن. ورغم التحديات المتعلقة بالبنية التحتية وقلة الإمكانات، إلا أن الكلية نجحت في تخريج دفعات متعاقبة من الأطباء الذين كان لهم دور محوري في تشغيل المستشفيات والمراكز الصحية في العاصمة والمناطق الريفية على حد سواء.
وقد ارتبطت الكلية بمستشفى الثورة التعليمي، ما أتاح بيئة تدريب سريري جيدة نسبيًا مقارنة بغيرها من الكليات، وأسهم ذلك في تأهيل أطباء بخبرة ميدانية جيدة. كما استفاد عدد كبير من خريجي الكلية من برامج الابتعاث إلى دول مثل الولايات المتحدة، وألمانيا، وفرنسا، وبريطانيا، وبعض الدول العربية، حيث حصلوا على درجات عليا في الطب والتخصصات الدقيقة، وعادوا ليمارسوا دورًا علميًا ومهنيًا متميزًا.
لم يقتصر إسهام هؤلاء على الجوانب السريرية فقط، بل ساهموا كذلك في بناء الكفاءات الجديدة من خلال التدريس والتدريب الطبي، والمشاركة في وضع السياسات الصحية العامة. وكان منهم من شغل مواقع قيادية في وزارة الصحة والمستشفيات الكبرى، مما جعل دور الكلية يتجاوز الوظيفة الأكاديمية البحتة إلى التأثير المباشر في عملية بناء النظام الصحي الوطني في الشمال خلال العقود التي سبقت الوحدة ومباشرة بعدها.
- كلية العلوم: رافد علمي للاقتصاد الوطني:
لعبت كلية العلوم بجامعة صنعاء، عبر أقسامها المتنوعة مثل الجيولوجيا، وعلوم الحياة (البيولوجي)، والكيمياء، والرياضيات، دورًا محوريًا في إعداد كوادر علمية متخصصة ساهمت في دعم العديد من القطاعات الاقتصادية الحيوية.
فقد كان لخريجي قسم الجيولوجيا إسهام بارز في مجالات الاستكشاف المعدني والبحث عن مصادر الطاقة، لا سيما في قطاع النفط والمعادن، حيث انخرط العديد منهم في هيئات ومؤسسات الدولة المعنية بالتنقيب والاستكشاف، وأسهموا في بناء قاعدة وطنية للخبرة الجيولوجية. أما خريجو قسم علوم الحياة، فقد عملوا في مجالات متعددة منها الزراعة، والبيئة، والطب الوقائي، وشاركوا في تطوير دراسات النباتات الطبية والحيوية، والتنوع البيولوجي في اليمن.
وفي الجانب الصناعي، كان لقسم الكيمياء دور في إعداد متخصصين عملوا في الصناعات الدوائية والغذائية والمختبرات الصناعية والرقابية، مما ساعد على رفع جودة المنتجات الوطنية. كذلك، ساهم خريجو قسم الرياضيات في تطوير التحليل الإحصائي والبرمجة ونظم المعلومات، ودعم العمليات الحسابية في مجالات اقتصادية ومصرفية مختلفة.
لقد كانت كلية العلوم، بمختلف تخصصاتها، مرتكزًا أكاديميًا للعلوم الأساسية ورافدًا حيويًا لسوق العمل ومؤسسات الدولة، وأسهمت في بناء قاعدة معرفية كان لها أثر ملموس في دعم التنمية الوطنية.
- إسهام جامعة صنعاء في التنمية الاقتصادية والاجتماعية:
أسهمت جامعة صنعاء إسهامًا بارزًا في تأهيل الكوادر العلمية والمهنية التي لعبت أدوارًا محورية في عملية التنمية الوطنية، خصوصًا خلال العقدين الأولين بعد تأسيسها. وقد مثّلت الجامعة، بكلياتها المختلفة، منبعًا لإعداد نخبة من المتخصصين الذين ساهموا في تشكيل البنية الاقتصادية والاجتماعية للدولة اليمنية في الشمال.
- كليتي الزراعة والهندسة:
في المجالين الزراعي والصناعي، أدّت كليتا الزراعة والهندسة دورًا رياديًا في إعداد مهندسين وخبراء ساهموا في تخطيط وتنفيذ مشاريع إنتاجية وتنموية. كما عمل العديد من خريجي الكليتين في مؤسسات الدولة والقطاع الخاص، وأسهموا في تطوير تقنيات الإنتاج الزراعي والصناعي، بما قلل من الاعتماد على الواردات وساهم في تحسين الأمن الغذائي الوطني.
كما كان لكلية العلوم، بجميع أقسامها (الجيولوجيا، والبيولوجي، والكيمياء، والرياضيات)، إسهام فعّال في رفد المؤسسات البحثية والفنية بكفاءات علمية، عملت في قطاعات الطاقة والمعادن والنفط، إضافة إلى تطوير صناعات وطنية صغيرة ومتوسطة، قائمة على تطبيقات علمية محلية.
- كلية التجارة والاقتصاد:
أما في المجال الاقتصادي، فقد ساهمت كلية التجارة والاقتصاد في تأهيل خبراء اقتصاديين ومصرفيين لعبوا دورًا أساسيًا في رسم السياسات الاقتصادية وبناء الهياكل المالية، بما في ذلك تطوير القطاع المصرفي ومؤسسات التخطيط.
وفي الإطار ذاته، كان لـكلية الشريعة والقانون إسهام ملحوظ في إعداد قضاة ومحامين وإداريين ساهموا في بناء مؤسسات الدولة القضائية والإدارية، وأسهموا في ترسيخ مفاهيم سيادة القانون وتعزيز بيئة الاستثمار والتنظيم الاقتصادي.
أما كلية التربية، فقد خرّجت آلاف المعلمين والتربويين الذين ساهموا في نشر التعليم الأساسي والثانوي في مختلف المحافظات، وكان لهم دور رئيسا في تعزيز الوعي الوطني والثقافة العامة، وهي من الشروط الضرورية لأي عملية تنمية شاملة ومستدامة.
وهكذا، كانت جامعة صنعاء ولا تزال، مؤسسة وطنية محورية في إنتاج المعرفة وإعداد الكفاءات، وأسهمت، رغم التحديات السياسية والاقتصادية، في بناء قاعدة بشرية مؤهلة دعمت التنمية الاقتصادية والاجتماعية في اليمن الشمالي قبل الوحدة، وواصلت أداء هذا الدور بعد ذلك بدرجات متفاوتة.
دور جامعة صنعاء في تطوير التعليم العام:
ساهمت جامعة صنعاء بشكل كبير في تحسين وتطوير التعليم العام في اليمن من خلال تدريب وتأهيل كوادر تعليمية متخصصة في مختلف المجالات. فقد كانت الجامعة مركزًا مهمًا لتأهيل معلمين ومعلمات في التخصصات المختلفة، خاصة من خلال كليات مثل كلية التربية وكلية الآداب.
- تأهيل الكوادر التعليمية:
لعبت جامعة صنعاء دورًا محوريًا في تأهيل الخريجين للعمل في مجالات التعليم العام، حيث تخرج منها العديد من المعلمين والمعلمات الذين أصبحوا فيما بعد أساتذة في المدارس الثانوية وكذلك في الجامعات. وكانت الجامعة توفر برامج تعليمية مهنية وعلمية متخصصة تركز على تطوير مهارات التدريس والتوجيه التربوي.
2 .دور الخريجين في تطوير المدارس والمعاهد
كان للخريجين من كليات التربية والتخصصات الأخرى مثل الآداب والعلوم كان دور كبير في تأسيس وتطوير المدارس والمعاهد في مختلف مناطق اليمن. فقد أسهموا في تحسين المناهج الدراسية، وتنظيم الورش التدريبية للمعلمين، والعمل على رفع مستوى التعليم في المناطق الريفية والنائية، وهو ما انعكس إيجابيًا على جودة التعليم في هذه المناطق.
3.تحسين جودة التعليم في المدارس الثانوية:
ساهمت جامعة صنعاء في رفع مستوى التعليم الثانوي في اليمن من خلال تعزيز الكوادر البشرية في المدارس الثانوية، حيث كان العديد من خريجي جامعة صنعاء يشغلون مناصب تعليمية هامة في المدارس الثانوية، وأسهموا في تدريب الأجيال الجديدة من الطلاب على الأسس العلمية والتربوية الحديثة.
باختصار، ساعدت جامعة صنعاء من خلال برامجها التعليمية وتخريج الكوادر المؤهلة في دفع عجلة تطوير التعليم العام، مما أسهم في تحسين وتوسيع نطاق التعليم في مختلف أنحاء اليمن، وتحقيق تقدم ملموس في المستوى التعليمي على مستوى المدارس والمعاهد.
- العمل الدبلوماسي:
كان لخريجي جامعة صنعاء دور بارز في العمل الدبلوماسي لتمثيل اليمن في الهيئات الإقليمية والدولية. فقد تم تأهيل عدد من الدبلوماسيين من خريجي الجامعة الذين خدموا في السفارات والبعثات الدبلوماسية اليمنية في العالم العربي وخارجه. وساهم هؤلاء الخريجون في تعزيز العلاقات اليمنية مع الدول العربية وغير العربية.
- مساهمة الخريجين في العمل الأكاديمي:
أسهم العديد من خريجي من جامعة صنعاء في تطوير التعليم العالي أيضًا، حيث عملوا في الجامعات والمعاهد الأكاديمية، الأمر الذي ساعد في تعزيز التعاون بين التعليم العام والعالي ورفع مستوى الثقافة العلمية والعملية في المجتمع، وإلى جانب دورهم في التعليم العام، فقد ساعدت جامعة صنعاء من خلال برامجها التعليمية وتخريج الكوادر المؤهلة في دفع عجلة تطوير التعليم العام، مما أسهم في تحسين وتوسيع نطاق التعليم في مختلف أنحاء اليمن، وتحقيق تقدم ملموس في المستوى التعليمي على مستوى المدارس والمعاهد.
- إسهامات جامعةعدن:
أسهمت جامعة عدن في النهضة التعليمية والاقتصادية في اليمن الجنوبي، وتُعد جامعة عدن واحدة من أعرق الجامعات في اليمن الجنوبي، وقد لعبت دورًا محوريًا في إعداد كوادر علمية وفنية متخصصة أسهمت بشكل كبير في مختلف مجالات التعليم والاقتصاد والتنمية. تأسست الجامعة في عام 1975، واحتضنت خلال مسيرتها العديد من الأقسام الأكاديمية التي ساهمت في تلبية احتياجات السوق المحلي والقطاع العام في اليمن الجنوبي، مما جعلها ركيزة أساسية في بناء المجتمع اليمني المتقدم.
- إعداد الكوادر العلمية في مختلف التخصصات:
ساهمت جامعة عدن في تأهيل العديد من الكوادر العلمية المتخصصة في مجالات متنوعة، مما أسهم في تطوير القطاعات الاقتصادية والعلمية في اليمن الجنوبي. كانت الكليات العلمية، مثل كلية الزراعة والهندسة، منبعًا لإعداد المتخصصين الذين ساهموا بشكل كبير في تطوير القطاع الزراعي والصناعي في المنطقة. من خلال برامجها الأكاديمية التي ركزت على التخصصات التطبيقية، قامت الجامعة بإعداد جيل من المتخصصين الذين أسهموا في تحسين الإنتاج المحلي وتعزيز الاستقلالية الاقتصادية.
- إسهامات كلية الزراعة:
تأثرت كلية الزراعة والهندسة في جامعة عدن بالتوجهات الاشتراكية التي ركزت على التعليم التطبيقي، مما جعلها تتبنى أساليب تدريس حديثة تهدف إلى تزويد الطلاب بالمعرفة العملية التي يحتاجونها للعمل في القطاعين الزراعي والصناعي. لعب خريجو هذه الكلية دورًا رئيسيًا في تحديث طرق الزراعة وإدخال تقنيات جديدة في الإنتاج الزراعي، كما أسهموا في تطوير البنية التحتية الصناعية في الجنوب. أسس هؤلاء الخريجون العديد من المشاريع الزراعية والصناعية التي ساهمت في تعزيز الأمن الغذائي وتوفير فرص العمل، كما ساعدوا في تقليل الاعتماد على الاستيراد.
- دور كلية التربية والعلوم في تطوير التعليم:
كانت كلية التربية في جامعة عدن منبعًا مهمًا لتأهيل المعلمين في مجالات مختلفة من التعليم، مثل الرياضيات والكيمياء وعلوم الحياة. تخرج منها العديد من المعلمين الذين أسهموا في تطوير التعليم العام في المدارس الثانوية والجامعات. في قسم الرياضيات، تم إعداد معلمين متخصصين في تدريس هذه المادة، مما ساعد في تحسين مستوى تعليم الرياضيات في المدارس. كما ساهم قسم الكيمياء في تأهيل معلمين متخصصين في تدريس العلوم الكيميائية في المدارس، مما أسهم في تعزيز الفهم العلمي لدى الطلاب.
أما قسم علوم الحياة والبيئة، فقد أسهم في تدريب كوادر متخصصة في تدريس علوم الأحياء والبيئة، مما ساعد في نشر الوعي البيئي وتعليم الطلاب أهمية الحفاظ على الموارد الطبيعية. بالإضافة إلى ذلك، أسهم خريجو هذا القسم في إجراء الدراسات البيئية الهامة التي ساعدت في تطوير تقنيات الزراعة المستدامة وحماية البيئة.
كان لكلية التربية والعلوم في جامعة عدن إسهامات كبيرة في تطوير القطاعات الاقتصادية والعلمية في اليمن الجنوبي. فخريجو أقسام الرياضيات والكيمياء وعلوم الحياة لعبوا دورًا بارزًا في مجالات الصناعة والنفط والتكنولوجيا. في قسم الرياضيات، تخرج العديد من المتخصصين الذين أسهموا في تطوير النماذج الرياضية في القطاعات المالية والصناعية. أما في الكيمياء، فقد أسهم الخريجون في تطوير الصناعات الكيميائية والدوائية التي كانت أساسية في توفير المنتجات المحلية وتقليل الاعتماد على الاستيراد. وفي مجال علوم الحياة، عمل الخريجون في تطوير تقنيات الزراعة المستدامة، مما ساعد في تحقيق الأمن الغذائي في اليمن الجنوبي.
- إسهامات في القطاع الصحي:
أسهمت كلية الطب في جامعة عدن، في تلك الفترة، في تأهيل كوادر طبية محلية أسهمت بشكل كبير في تقديم الرعاية الصحية في مختلف المناطق. حيث عمل خريجو كلية الطب في مستشفيات ومراكز صحية في الجنوب، ولعبوا دورًا حيويًا في تحسين الخدمات الصحية للمواطنين، خاصة في المناطق الريفية. بالإضافة إلى ذلك، ساهم خريجو الكليات الطبية في تعزيز الكوادر التمريضية والصحية، مما ساعد في توسيع نطاق الخدمات الصحية في المجتمع. وقد شكل مستشفى عدن والذي كان يعرف بمستشفى الملكة قبل الاستقلال قاعدة تطبيقية هامة لطلاب كلية لطب، مكنهم من امتلاك مهارات تطبيقية عالية. –
- الاهتمام بالتعليم العالي والبحث العلمي:
كانت جامعة عدن مركزًا للبحث العلمي، حيث كانت توفر الفرص للطلاب والباحثين للمساهمة في تطوير المعرفة العلمية. كما أسهمت في تطوير سياسات التعليم العالي في الجنوب، بما في ذلك إعداد جيل جديد من الأكاديميين والخريجين الذين تمكنوا من المشاركة في مؤتمرات علمية ودورات تدريبية على مستوى محلي وإقليمي.
الخلاصة:
من خلال تطوير التعليم الجامعي وإعداد كوادر متخصصة في مجالات الزراعة والصناعة والصحة والتعليم، أسهمت جامعة عدن بشكل فعال في بناء قاعدة معرفية وفنية قوية ساعدت في النهوض بالاقتصاد المحلي وتحقيق بعض من أهداف التنمية المستدامة. كانت الجامعة، رغم محدودية الموارد في بعض الفترات، ملتقى للعلم والمعرفة، ورافدًا رئيسا للكوادر المؤهلة التي ساهمت في تطوير مختلف جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية في اليمن الجنوبي.
- دور الكوادر المؤهلة في الخارج في النهضة التنموية:
شهد اليمن بشطريه الشمالي والجنوبي، قبل الوحدة، حركة ابتعاث نشطة إلى الخارج لتأهيل الكوادر العلمية في مختلف المجالات الحيوية. وقد توزعت وجهات الابتعاث ما بين الدول الغربية (كالولايات المتحدة، وفرنسا، وألمانيا الغربية، وبريطانيا) والدول الاشتراكية (كالاتحاد السوفيتي، وبلغاريا، وألمانيا الشرقية، وتشيكوسلوفاكيا). هذا التنوع في مصادر التعليم منح الكوادر اليمنية المبتعثة قاعدة علمية متنوعة ومتكاملة.
لقد مثّلت برامج الابتعاث الأكاديمي إلى الخارج، في كلٍ من شمال اليمن وجنوبه قبل الوحدة، أحد أبرز أدوات بناء الكادر الوطني المؤهل، وكان لها أثر بالغ في التأسيس لنهضة علمية ومؤسسية في البلاد. فقد أرسلت الحكومتان أعدادًا كبيرة (تصل إلى عدة آلاف) من الطلاب للدراسة في الخارج، تبعا للتوجهات السياسية والارتباطات الدولية لكل شطر.
لعب هؤلاء المبتعثون بعد عودتهم دورًا جوهريًا في دعم التنمية الوطنية في الشطرين كليهما، إذ أسهموا في بناء مؤسسات الدولة التعليمية والصحية والاقتصادية. فكانوا حجر الأساس في تأسيس وتطوير الجامعات الوطنية، ورفدوا كلياتها بالتخصصات الحديثة، وساهموا في تطوير المناهج الأكاديمية وتعزيز ثقافة البحث العلمي. كما شارك العديد منهم في إعداد الخطط التنموية، وشغلوا مناصب عليا في الوزارات والمراكز البحثية.
في المجال الاقتصادي، كان لهؤلاء الخريجين إسهامٌ مباشرٌ في صياغة السياسات المالية والاقتصادية، وإدارة المؤسسات المصرفية والمالية، والمساهمة في بناء الجهاز الإداري والرقابي للدولة. أما في مجال الاستكشافات الجيولوجية والنفطية، فقد كانت الكوادر المبتعثة في مجالات الجيولوجيا، والهندسة، والاقتصاد تلعب دورًا محوريًا في دعم خطط التنقيب وإدارة الموارد المعدنية والنفطية، سواء عبر مؤسسات الدولة أو التعاون مع شركات أجنبية.
وفي القطاع الزراعي، ساهم خريجو الجامعات الأجنبية في إدخال أساليب حديثة للزراعة، وتحسين جودة المحاصيل، وتطوير البحوث الزراعية، إلى جانب تأسيس محطات تجريبية وإرشادية. كما عملوا على إنشاء مؤسسات تدريب زراعي لخدمة المجتمعات الريفية، لا سيما في الجنوب حيث كانت بنية التخطيط الزراعي أكثر مركزية وتنظيمًا.
وفي مجال الصحة، ساعد المبتعثون في تطوير الكوادر الطبية، ورفد المستشفيات بالخبرات المتخصصة، وكان لهم دور كبير في تأسيس كليات الطب والمعاهد الصحية، وفي قيادة برامج الوقاية والرعاية الصحية.
- الفوارق بين الشطرين في استيعاب الكوادر:
تأثرت بيئة العمل والاستيعاب بشكل كبير بطبيعة النظام السياسي في كل شطر. فقد حظيت الكوادر العائدة من الخارج في جنوب اليمن، الذي كان يتبع نظامًا اشتراكيًا، بمكانة مهنية مرموقة، نتيجة التوجه المؤسسي للدولة المركزية في دعم الكفاءات العلمية. فكانت هذه الكوادر تشغل مناصب قيادية في مؤسسات التخطيط والتنفيذ، وتتمتع بفرص عمل واسعة ضمن مؤسسات الدولة.
أما في شمال اليمن، فقد واجه بعض المبتعثين إلى دول المعسكر الاشتراكي تحديات سياسية بعد عودتهم، خاصة في فترات التوتر السياسي مع هذه الدول. وقد شكلت ما تُعرف بـ “شهادة حسن السيرة والسلوك” أحد أبرز أدوات التضييق الأمني على العائدين من الخارج، حيث حُرم بعضهم من الوظائف أو تمت ملاحقتهم أمنيًا كما حرم جميع حملة الدكتوراه تقريبا من الدخول عبر بوابة الجامعة ليصيروا اعضاء هيئة تدريس فيها، وتعرض بعض حملة الدكتوراه للمضايقات وأحيانا للتكفير (ابو بكر السقاف، حمود العودي) رغم ذلك، لم تتوقف مساهماتهم، بل كان لبعضهم أدوار محورية في بناء مؤسسات التعليم العالي أو في القطاع الاقتصادي، خاصة في الفترات التي شهدت انفتاحًا نسبيًا.
- المعوقات السياسية أمام المبتعثين من شمال اليمن:
رغم ما حققه المبتعثون من شمال اليمن إلى الدول الشرقية وما عانوه فإن حملة الشهادات العلياء من البلدان الغربية من إنجازات أكاديمية ومهنية، إلا أن بعضهم لم يسلم من المضايقات الأمنية والمتابعات السياسية عند عودتهم، أو حتى أثناء دراستهم، نتيجة طبيعة النظام السياسي القائم آنذاك، الذي كان يُجرّم أي نشاط سياسي خارج إطار النظام، ويحظر العمل الحزبي المعارض. وقد عانى عدد منهم من اشتراطات تعجيزية مثل الحصول على “شهادة حسن السيرة والسلوك”، التي كانت تُستخدم أحيانًا كأداة للرقابة السياسية.
وقد أدى هذا المناخ إلى تقييد حرية بعض الكوادر في التعبير أو منعهم من الانخراط في مؤسسات التعليم والبحث، رغم كفاءتهم العالية.
ورغم كل الظروف، فإن الابتعاث شكل رافعة حقيقية لبناء الدولة الحديثة، وأسهم في تأسيس طبقة متعلمة ومهنية لعبت دورًا محوريًا في النهضة التنموية، وتحوّل كثير من هذه الكوادر إلى مرجعيات علمية، منهم من أصبح وزيرًا أو أستاذًا جامعيًا مرموقًا، أو قياديًا في مؤسسات علمية داخل اليمن وخارجه.
- دور المبتعثين في القطاعات الاجتماعية والإنسانية:
لم تقتصر إسهامات الكوادر المبتعثة على المجالات التقنية والاقتصادية فقط، بل كان لها دور محوري أيضًا في تطوير القطاعات الاجتماعية والإنسانية في اليمن. فقد أسهم المبتعثون في تطوير النظام التعليمي على مختلف مستوياته، من التعليم الأساسي إلى التعليم العالي، من خلال تقديم المعرفة الحديثة في المناهج الدراسية، وكذلك في المجالات التعليمية المرتبطة بالتكنولوجيا، والطب، والعلوم الاجتماعية.
في مجال العلوم الاجتماعية، خاصة في علم الاجتماع، وعلم النفس، والتعليم، شارك المبتعثون في إنشاء برامج أكاديمية ومراكز أبحاث متخصصة ساعدت على تحسين الوضع الاجتماعي، وتوعية المجتمع بقضايا التنمية المستدامة، والمساواة، والعدالة الاجتماعية. وقد كان لهذه الكوادر دور أيضًا في دعم برامج التعليم المستمر والتدريب المهني للعاملين في القطاع العام، مما ساهم في تطوير الكفاءات المؤسسية في الدولة.
- تأثير التعليم العالي على التنمية الثقافية والإبداعية:
من خلال دراستهم في الخارج، جاء العديد من المبتعثين أيضًا بتوجهات جديدة في مجالات الأدب والفنون والثقافة، مما أثرى الحياة الثقافية في اليمن. فالمبتعثون في مجالات الفنون الجميلة، والتصميم، والسينما، والمسرح، لعبوا دورًا كبيرًا في تحديث المشهد الثقافي اليمني، وأثروا في التجديد الفني والتعبير الثقافي، مما ساعد على تطوير الهوية الثقافية في البلد.
كما كان للمبتعثين في مجالات اللغة والأدب دورٌ بارزٌ في التأثير على الأدب اليمني الحديث. فبعضهم أسهم في ترجمة الأعمال الأدبية العالمية إلى العربية، مما ساعد في تكوين جسر ثقافي بين اليمن وبقية دول العالم.
- التحديات التي واجهها المبتعثون وسبل التغلب عليها:
على الرغم من أن التعليم في الخارج فتح آفاقًا واسعة للمبتعثين، إلا إنهم واجهوا تحديات عدة، بدءًا من التحديات المالية، مرورًا بالصعوبات الاجتماعية والنفسية التي تتعلق بالعيش في بيئات ثقافية مختلفة. فعلى سبيل المثال، واجه العديد من المبتعثين من شمال اليمن تحديات متعلقة بتوجهات النظام السياسي، وكان عليهم أن يتعاملوا مع ضغوطات من السلطات المحلية في بعض الأحيان.
أما في الجنوب، فقد كانت هناك تحديات خاصة تتعلق بتوجه النظام الاشتراكي، حيث كان الاهتمام منصبًا بشكل كبير على مجالات التعليم والتدريب المهني التقني، وهو ما قد لا يتناسب مع بعض التوجهات الأكاديمية الدولية، ومع ذلك فقد شكلت تلك التحديات فرصة للمبتعثين لتعزيز قدراتهم في التكيف مع بيئات تعليمية مختلفة، وهو ما أكسبهم ميزة إضافية عند عودتهم إلى اليمن.
على الرغم من هذه التحديات، تمكّن المبتعثون في الشطرين من تطوير مهاراتهم الأكاديمية والتقنية، وخلقوا شبكة علاقات مهنية ساعدتهم في مواجهة الصعوبات عند العودة إلى وطنهم. وهذا النوع من الشبكات أصبح عنصرًا أساسيًا في بناء العلاقات الدولية وفتح الفرص أمام اليمن في مجالات متعددة.
- المبتعثون في المجال الصحي والطبي:
عاد المئات من الأطباء والفنيين الصحيين من جامعات أوروبا الشرقية ومصر وروسيا إلى اليمن حاملين خبرات متقدمة في الجراحة، والصحة العامة، وطب المجتمع، والتخدير، وغيرها. وقد ساعدوا في إنشاء أقسام تخصصية داخل المستشفيات العامة، وتأسيس مراكز طبية جديدة، وتطوير برامج تدريب الكوادر الطبية والتمريضية.
كما لعبوا دورًا في حملات التوعية الصحية، وفي الحد من انتشار بعض الأمراض المزمنة والمعدية، وأسهموا في بناء النظام الصحي على أسس حديثة في شطري اليمن.
في قطاع الصحة، كان المبتعثون إلى دول مثل الاتحاد السوفيتي السابق، وبولندا، وكوبا، وألمانيا الشرقية، قد أسهموا بشكل كبير في إنشاء أولى الكليات الطبية في اليمن (كلية الطب في الجنوب) وتطوير النظام الصحي العام. هؤلاء الخريجون أصبحوا روّادًا في تدريس الطب، وفي تطوير أنظمة الرعاية الصحية المتخصصة. كما كان لهم دور بارز في مكافحة الأمراض المنتشرة في اليمن، مثل الملاريا، والتدرن، والجذام، من خلال برامج صحية رائدة، كما انهم عملوا في المستشفيات المختلفة في اليمن والتي كانت بدورها حديثة وفي المستوصفات الطبية في المدينة والريف في عموم اليمن
- دور المبتعثين في الاستكشافات النفطية والمعدنية:
فيما يتعلق بالموارد الطبيعية، فقد أسهم المبتعثون في مجالات الجيولوجيا، والهندسة المدنية، والكيمياء في تطوير برامج الاستكشافات النفطية والمعدنية في اليمن. هؤلاء العلماء ساعدوا في تحديد المواقع المحتملة لاستخراج النفط والغاز، وكان لهم دور حيوي في إعداد الدراسات الجيولوجية التي أدت إلى اكتشاف حقول نفطية جديدة.
كما لعبوا دورًا مهمًا في تأسيس شركات النفط اليمنية، وفي تطوير المناهج الدراسية الخاصة بالعلوم الجيولوجية والهندسية لتواكب التطورات العالمية في مجالات استكشاف المعادن والنفط. وقد ساهم هؤلاء الخريجون في بناء قاعدة علمية متينة سمحت لليمن بالاستفادة من موارده الطبيعية بشكل أكثر كفاءة.
الخلاصة:
إن المبتعثين الذين أرسلوا إلى الخارج قبل الوحدة اليمنية كان لهم دور كبير في بناء بنية الدولة اليمنية الحديثة، سواء في الشطر الشمالي أو الجنوبي. رغم أن كل شطر عاش تحت ظروف سياسية وفكرية مختلفة، إلا أن المبتعثين كانوا الأداة الفعّالة في نقل المعرفة الحديثة، وتعزيز التنمية في اليمن في مختلف المجالات، بدءًا من الاقتصاد، والصحة، والزراعة، وصولًا إلى التعليم العالي والبحث العلمي. ورغم التحديات التي واجهوها في الخارج، إلا أنهم استطاعوا التأقلم والنجاح، ليصبحوا جزءًا أساسيًا من النهضة التنموية التي شهدها اليمن قبل وبعد الوحدة.
- البيئة السياسية للتعليم العالي قبل الوحدة:
شكّلت البيئة السياسية في شمال اليمن وجنوبه قبل الوحدة إطارًا عامًا مختلفًا جذريًا لتطور التعليم العالي في كل من الطرفين، فقد انعكس النظامان السياسيان المتباينان في الشطرين على بنيته، فلسفته، وأهدافه.
- البيئة السياسية في شمال اليمن:
كان النظام السياسي في شمال اليمن ذا طابع تقليدي قبلي محافظ، استند إلى تحالفات سلطوية وقوى اجتماعية محافظة كانت ترى في التعليم العالي – خصوصًا في بداياته – تهديدًا لتوازن القوى التقليدية. رغم تأسيس جامعة صنعاء في العام 1970 كمؤسسة علمية طموحة، إلا أن البيئة السياسية لم تكن مشجعة تمامًا لتوسّعها واستقلاليتها الأكاديمية.
شهدت الجامعة تضييقًا على النشاط الطلابي، حيث كان الانخراط في العمل السياسي داخل الحرم الجامعي يُواجه بالقمع والملاحقة، وقد تعرّض العديد من النشطاء الطلابيين للفصل أو الاعتقال أو الهروب إلى الجنوب. كما أن هيمنة الولاءات المناطقية والسياسية لاحقًا أثرت على عمليات التوظيف الأكاديمي وتقييم الكفاءات العلمية، خاصة فيما يتعلق بخريجي الدول الاشتراكية، حيث جرى تصنيف شهاداتهم ضمن “الدكتوراه الوظيفية” لا الأكاديمية، وهو ما كشف عن اختلالات في منظومة الاعتراف العلمي.
- البيئة السياسية في جنوب اليمن:
في المقابل، تأسّس التعليم العالي في الجنوب في ظل نظام اشتراكي شمولي يرى في التعليم أداة للتحرر الاجتماعي والتقدم، مما انعكس على توجهاته التحديثية. تأسست جامعة عدن عام 1975 في ظل رؤية واضحة لتوسيع قاعدة التعليم وتوطين الكادر الوطني. وقد اتّسمت البيئة السياسية بدعم أكبر للتعليم العالي، حيث شُجعت البعثات إلى الدول الاشتراكية، وتوفرت فرص التعليم الجامعي لأبناء الطبقات الكادحة، بما ينسجم مع رؤية الدولة لبناء مجتمع اشتراكي متعلم.
ومع ذلك، لم تخلُ البيئة الجنوبية من إشكاليات، فقد هيمنت السياسة على مؤسسات التعليم، وأُخضعت بعض التعيينات الأكاديمية لمعايير الولاء الأيديولوجي. كما تأثرت الاستقلالية الجامعية بطبيعة النظام المركزي، الذي كان يربط بين التعليم والحزب الحاكم.
خلاصة:
عكست البيئتان السياسيتان في الشمال والجنوب فلسفتين مختلفتين للتعليم العالي؛ واحدة محافظة وتقليدية، والأخرى تحديثية لكنها مؤدلجة. ورغم الفروقات، فإن الجامعتين واجهتا تحديات بنيوية في تكوين نواة أكاديمية مستقلة تُسهم في بناء المعرفة الوطنية، وهو ما ترك آثارًا طويلة الأمد حتى ما بعد تحقيق الوحدة اليمنية في 1990.
…………………………
(*) باحث، نائب رئيس جامعة تعز، وعميد كلية العلوم – جامعة تعز (الأسبق).
