في سبعينات القرن الماضي صدرت رواية «يموتون غرباء»، لرائد القصة القصيرة في اليمن محمد عبدالولي، وكتب المؤرخ وموثق الحركة الوطنية علي محمد عبده عن دور المغتربين اليمنيين في دعم الحركة الوطنية، وشراء مطبعة «صوت اليمن»؛ صحيفة حزب الأحرار عام 1946.

أشار عمر الجاوي إلى المفارقة بين القراءتين والرؤيتين. والحقيقة أن محمد عبدالولي كان يتحدث عن البطل التراجيدي؛ المزارع الفقير الذي يروعه جوع أسرته، وقسوة المجاعة، وبؤس قريته، وشقاء أهله، وبطش وجلافة الجندي المتوكلي الذي ينتزع اللقمة الناشفة (الخبز) من فم الميت جوعًا.

صوّر المبدع الكبير قصة المهاجر اليمني الذي يغادر قريته في عز الشباب؛ لبيع قوة عمله في المهاجر، ويترك زوجته وأطفاله لسنوات؛ ليعود إليهم نعشًا أو بانتظار الموت، أو يموت هو ورفاقه في المهجر، ولا تعرف أسرهم عنهم شيئًا.

رواية «يموتون غرباء»، والعديد من قصص محمد عبدالولي، سردية مأساة المغترب اليمني.

أما المؤرخ علي محمد عبده، فقد تتبع عطاء المغتربين اليمنيين، ودورهم في مساندة ودعم حركة الأحرار، وتمويل حزب الأحرار في عدن، وتشجيع الطلاب على التعليم الحديث، ومساعدتهم في الحصول على المنح الدراسية.

برزت شخصيات يمنية في المهاجر، ولعبت دور البطولة في جنوب شرق آسيا والهند وشرق إفريقيا كالحضارم، وفي أمريكا وبريطانيا وإفريقيا من أبناء الجنوب والحجرية ورداع. وبرزت شخصيات في كاريف كالشيخ عبدالله الحكيمي؛ رئيس تحرير «صحيفة السلام» والمدافع الأول عن حركة الأحرار اليمنيين، وأحمد عبده ناشر في إثيوبيا، وعبدالغني مطهر، والحروي، والشيخ يحيى الشرفي في السودان، والشيخ سعيد علي الأصبحي في السعودية.

وكان للتجار الحضارم دور مائز في تأسيس العربية السعودية وبعض دول الخليج.

قبيل الثورة اليمنية كان المغتربون هم الداعمون والممولون الأساس لنشاط الحركة الوطنية شمالًا وجنوبًا، وفي دعم التعليم الحديث، وتحسين ظروف معيشة أسرهم؛ في ظل المجاعات المزمنة، وجشع الإمامة وتسلطها في طرائق جباية الزكاة، وعسكرة الجيش المليشياوي الحافي والجائع في القرى.

أما بعد ثورة سبتمبر 1962، فإن رأس المال الوطني الذي عاد به المغتربون من المهاجر المختلفة كان أساس البناء الوطني، والمؤسسات الاقتصادية، والقطاع العام والخاص، وبناء المدن، وازدهار الحياة والحرف والتصنيع.

وكان أبناء المغتربين في طليعة الحرس الوطني المدافع عن الثورة والجمهورية، وكان لهم الدور البارز، إلى جانب مساعدات الأشقاء في مصر والكويت والمعسكر الاشتراكي، في بناء المدارس والجامعات والمستشفيات، وشق الطرقات، وتحديث الإدارة، والإسهام في بناء النظام والقانون، ووضع اللبنات للدولة الحديثة. ولكن الحروب المتواصلة والمتناسلة والثورات المضادة أتت على كل منجزات الثورة اليمنية: سبتمبر وأكتوبر.

الأستاذ الجليل، رجل الأعمال، رئيس العالمية للطيران، علوان الشيباني، اختار نخبة من المثقفين والأكاديميين؛ لدراسة معطيات الهجرة في الشمال والجنوب، والآثار المتبادلة للهجرة، ودورها الشامل في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية.

وعلى مدى بضعة أشهر توالت اجتماعات اللجنة، وكانت الثمرة الزكية صدور موسوعة من سبعة أجزاء تغطي الجوانب المختلفة للمهاجر اليمني في جنوب شرق آسيا والهند وشرق إفريقيا وبريطانيا وأوروبا وأمريكا والسعودية ودول الخليج.

وإذا كانت الهجرة سردية اليمن الكبرى، وملحمته الخالدة؛ صانعة المدنية والحداثة والتحضر والانفتاح على العصر، منذ انهيار السدود، وليس سد مأرب فقط، ومنذ بناء دولة أكسوم، وقصة رحلة ملكة سبأ في الآية:

﴿وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾.

أو رحلة الإثيوبية «ماكيدا» إلى سليمان؛ كسردية «سجل الملوك» هناك، ورواية العهد القديم عن رحلة ملكة سبأ وحاشيتها وقومها.

هاجر اليمني للاستقرار والتجارة، والإسهام في بناء المدن والكيانات في العهود القديمة، وفي صدر الإسلام، وأثناء الفتوحات، وقيادة الجيوش لنصرة الإسلام.

أما في القرون الوسطى والأخيرة، فطلبًا للرزق، وكانت كل الجهات والمناطق تختار أماكن هجرتها.

فهاجر التهاميون إلى إثيوبيا والصومال وشرق إفريقيا وجزر القمر، وإلى السعودية ودول الخليج.

الزميلان: أحمد الزرقة بـ«قناة الجزيرة»، ورضوان بـ«قناة السعيدة»، يسألانني باستغراب عن الهجرة إلى السعودية. وقبل الهجرة تهتدي بمن سبق، وكان طلاب التعليم القديم الآتون من زبيد والمدن التهامية قبلتهم الحجاز: مكة والمدينة.

إلى ما قبل تمرد جهيمان العتيبي كان التدريس في الحرم ومدارس أخرى، كالمدرسة الصولتية ومدرسة الفلاح، يشمل مختلف المذاهب الإسلامية، وليس عليها إشراف وهابي، وكان التفتح السياسي إلى ما قبل الصراعات والثورات القومية حاضرًا في مدن الحجاز.

في جدة تكونت مجموعة من أبناء الحديدة: مساوى أحمد الحكمي، وعثمان عميرة، وإبراهيم صادق، ومحمد علوي، وآخرون.

كتاب أو مذكرات الحفاظة والذاكرة الوطنية الحية «الخويل» يشير إلى اتفاق غير مكتوب بين الإمام والسعودية بأن من ينتقد الإمامة، أو يتكلم عن الثورة، أو يسب الإمام، يُرحّل فورًا؛ وهذا ما حدث مع محمد عبدالله الفسيل.

ويذكر تعرفه إلى أحمد أمين عبد الواسع نعمان، وعثمان عميرة، وعلي عمر النابهي. ويضيف:

ذات يوم، أخبره محمد علوي الجفري، من جفارية الحديدة، عن وصول إبراهيم صادق مطرودًا من مصر.

ويشير، محقًا، إلى أن إبراهيم صادق كان مغامرًا وخياليًا، ولديه لائحة عن قيام الثورة، وكان شديد الربط بين الثورة والثورة في السعودية؛ لكيلا تؤذى الثورة اليمنية.

ويشير:

«وتعرفت أيضًا إلى مساوى أحمد الحكمي؛ حامل التابعية السعودية، وشقيقته متزوجة من سعودي، وهو من الحديدة. كان يجمعنا في غرفة إدارة وكالة التربية والتعليم، وفي الطابق الأسفل المخابرات، ولم تكن قوية؛ فظلنا أسبوعًا كاملًا نناقش إبراهيم صادق حول اللائحة الداخلية، وحول ما يشبه الدستور.

كان يقول: نجران وجيزان وعمان من اليمن. وبعد ثلاثة أيام أقنعناه بأن يتنازل عن عمان، ونوافق له على جيزان ونجران.

وذات يوم قيل لي: إنه قد ألقي القبض على الشاعر إبراهيم صادق، ومحمد علي علوي الجفري، وأن وراء ذلك المفوضية اليمنية: حسين مرفق، وعلي الجناتي، وأُرسلا مخفورين إلى الحديدة، وأُلقي القبض على مساوى، وظل مسجونًا خمسة عشر يومًا.

وكانوا يسألونه عن صاحب الشجة في جبينه – يقصدون محمد عبد الواسع حميد -، وكان يقول لهم: لا يعرف مقره، وينسى الأسماء».

ويشيد بدور أبي اليمنيين المغتربين سعيد علي الأصبحي في السعودية، والذي يحمي اليمنيين من مختلف المناطق.

ويورد العديد من القصص. وكان الحاج سعيد علي الأصبحي ذا مكانة لدى الأمراء السعوديين، مسموع الكلمة، ويحظى باحترام. وعلاقته متينة بابن لادن؛ أكبر مقاول في المملكة، وأنه الذي أنقذه من الاعتقال.

(محمد عبد الواسع حميد يتذكر، ص 89-100، بتصرف).

أعادني لقراءة الخويل، كما يدعوه محبوه، قراءتي لما كتبه الزميل الباحث قادري أحمد حيدر عن «قصة يتيم».

أتفق معه في قراءته المائزة، وتتبع السيرة العطرة للشهيد سعيد علي الأصبحي؛ فله بصمات في العديد من الإنشاءات والمنجزات في مدينة الحديدة وغيرها، ويتمتع الشهيد بسمعة طيبة في نفوس أبناء شعبه.

في بداية السبعينات زرته غير مرة مع قريبه هاشم سليمان، وأرسل لنا الرفيق عبدالله صالح عبده، المسؤول حينها عن «اتحاد الشعب الديمقراطي»، منشور «دقّت طبول بكيل الثورية».

وكان يقف وراء المنشور الشيخ أمين أبو راس، ومعه مالك الإرياني، وعبدالله صالح عبده.

وطلب منا تسليمه لشخصيات عامة؛ منهم الشيخ سعيد علي الأصبحي. وإسهامات الشيخ سعيد الأصبحي في التعليم والصحة والأعمال الخيرية حاضرة.

أتفق مع ملاحظة الأستاذ رضوان الشرجبي أن جريمة قتل مشايخ الحجرية وشخصياتها ووجاهاتها الاجتماعية، وما تعرضت له المنطقة وأهلها، بحاجة إلى التحقيق الدقيق المستقل والمحايد، والبحث عن الوثائق والبراهين وشهود الحال.

فجريمة قتل الشهداء الساعين إلى الصلح، وتجنيب المنطقة المسالمة ويلات الصراع، وفي مقدمتهم الشهيد الحاج سعيد علي الأصبحي وزملاؤه، جريمة نكراء لا يفيدها الجزم السياسي: مع أو ضد.

فلا بد من التحقيق في الوقائع، وإثبات وكشف مرتكبي هذه المجزرة، وتحميل مرتكبيها المسؤولية؛ إنصافًا للشهداء، ومنعًا لتكرارها، وتأكيدًا على عدم الإفلات من العقاب، ومصداقًا لقوله تعالى:

﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾.

(*) نُشرت في صحيفة «النداء» – يوليو/تموز 2026.

(**) كاتب ومفكر، نقيب الصحفيين اليمنيين الأسبق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *