أ/ طاهر شمسان
إن تاريخ تطور الدولة منذ انبثاقها إلى اليوم هو تاريخ تطور نضجها المدني، وعندما ظهر عليها هذا النضج وصار سمتها الأكثر بروزا قيل عنها دولة تنموية، ودولة قانونية، ودولة مواطنة، ودولة سياسية، ودولة ديمقراطية، ودولة تضامن مجتمعي حقيقي، ودولة حريات، ودولة مساواة، ودولة مؤسسات…الخ، في إشارة إلى أن هذه الدولة تحديدا هي الدولة المدنية، وأن أنماط الدولة السابقة عليها في التاريخ لم تكن كذلك.
وبما أن الدولة كما عرَّفها الفيلسوف الألماني هيجل هي “التنظيم السياسي للمجتمع” فإن نضجها المدني هو متغير تابع لنضج مدنية الاجتماع البشري الذي نشأت لتعبر عن نظامه وانتظامه. والحديث عن الدولة في أي مرحلة من مراحل تطورها، هو إلى حد كبير حديث عن الاجتماع البشري في تلك المرحلة. وتاريخ الإنسان لم يعرف سوى ثلاثة أنماط من الاجتماع: الاجتماع العائلي، والاجتماع العشائري القبلي، والاجتماع المدني. وبما أن الاجتماع المدني هو مدخلنا للحديث عن الدولة المدنية فلا بُدَّ أن نتعرف أولا على ماهية هذا الاجتماع مقارنةً بينه وبين الاجتماعين العائلي والعشائري القبلي.
1 – الاجتماع العائلي:
العائلة “اجتماع قُرَابي قائم على رابطة الدم”، والقَرَابة بين أفرادها قَرَابة طبيعية غير مختارة وغير مفكر بها، لأن الإنسان لا يختار أبويه. والعائلة مفهوم أخلاقي وليس مفهوما سياسيا، لأنها مؤتمنة على أبنائها أخلاقيا وليس قانونيا؛ ومعنى ذلك أنه لحفظ نوعه وضمان التهدئة بين أفراده كان رهان الاجتماع العائلي دائما رهاناً أخلاقيا لا يحتاج إلى تدخل القانون، سواء تعلق الأمر بالتنشئة أو بتوزيع الأدوار بين أفراد العائلة. ومن بديهيات الأشياء أن هذا النوع من الاجتماع لا يفضي أبدا إلى نشوء دولة، لأنه لا يحتاج إليها من أجل تنظيم شؤونه، فالعائلة وجدت قبل الدولة وعاشت بدونها. لكن عندما ظهرت الدولة كنتاج لظهور وتبلور الاجتماع المدني بدأ تدخل القانون (التشريع الرسمي) تدريجيا في شؤون الأسرة؛ وهذا ليس إلا من تأثيرات الاجتماع المدني عليها -أي على الأسرة- بحكم انتمائها إليه وحاجته إلى تكييفها على النحو الذي يستجيب لقرابته ورهانه.
2 – الاجتماع العشائري القبلي:
الاجتماع العشائري القبلي هو الآخر “اجتماع قُرَابي قائم على رابطة الدم”. والقَرَابة هنا هي أيضا قَرَابة طبيعية غير مختارة وغير مفكر بها، لأن الإنسان لا يختار عشيرته وقبيلته. وهذا النوع من الاجتماع لا ينتج القانون مهما استطال في الزمن، وإنما ينتج الأعراف. ومعنى ذلك أنه لم ولن ينتج السلطة السياسية ولا الدولة، وإنما أنتج السلطة الاجتماعية لشيوخ العشائر والقبائل. إنه إذن اجتماع ينتمي إلى ما قبل ظهور الدولة. ومن أجل تنظيم شؤونه وحفظ التهدئة بين أفراده راهن الاجتماع العشائري القبلي دائما على أعرافه وعلى السلطة الاجتماعية لشيوخ العشيرة والقبيلة. وهذا أيضا رهان أخلاقي وليس رهانا سياسيا.
والاجتماع العشائري القبلي هو بالضرورة اجتماع عصبوي في مواجهة اجتماعات عشائرية قبلية مناظرة له. وعندما تنبثق الدولة في بيئة مكتظة بالعصبيات العشائرية القبلية – مثلما حصل مع دولة المسلمين الأولى في يثرب -فإنها لا تنبثق عن هذا النوع من الاجتماع وإنما عن اجتماع مدني، تشكَّل كعصبية جديدة نوعيا، غالبا ما يعتريه الضَّعف بمجرد نجاحه في تعميم مبدأ الدولة وفرض سلطتها على محيطه العشائري القبلي. فالدولة عندما تعم وتبسط نفوذها تستوعب العصبيات العشائرية القبلية في كيانها دون أن تقوى على صهرها وإذابتها كليا في العصبية الجديدة. وما يحدث بعد ذلك، في الغالب، هو أن تستأثر عصبية قبلية قوية أو تحالف عصبيات بالدولة. وعندما يحدث هذا تتعالى الدولة على المجتمع، وتتحول إلى قوة قهرية. وهنا تكمن جذور عدم الاستقرار والحروب الداخلية. وإذا تمكنت عصبية طامحة من الإطاحة بعصبية حاكمة والحلول محلها فإن هذا لا يغير من نمط الدولة المتعالية والقهرية.
وخلاصة القول: إن العصبيات العشائرية القبلية لا تنتج الدولة، لكنها تهيمن عليها عندما توجد، وتحولها بالضرورة من فضاء مساواتي، لم تتوفر له موضوعيا شروط الثبات والاستمرار، إلى فضاء عصبوي تهيمن فيه السلطة على الدولة. والهيمنة مهما كانت قبضتها فإنها، عاجلا أو آجلا، تستدعي شروط تفكك الدولة الواحدة أو انهيارها. ويحدث هذا على نحو خاص في البلدان التي لا يكون فيها التفاعل بين الجغرافيا والتاريخ قويا بما فيه الكفاية.
3 – الاجتماع المدني:
الحديث عن الاجتماع المدني هو حديث عن نوع مختلف من القَرَابة لا تقوم على رابطة الدم. إنها قَرَابة نوعية مختارة ومفكر بها تجعل الناس، أفرادا وجماعات، يتجاوزون قراباتهم الطبيعية الموروثة ويندمجون في قَرَابة جديدة نوعيا في إطار المدن التي نشأت تاريخيا بالتلازم مع نشوء هذا النوع من الاجتماع.
وإذا كانت القَرَابة في الاجتماعين العائلي والعشائري القبلي ثابتة فإنها في الاجتماع المدني قَرَابة متغيرة تبعا للتغير في النظام المعرفي الذي يصوغ العقل الجمعي وطرائق تفكيره واستدلالاته ومحاكماته. وإذا كانت التهدئة وحفظ النوع في الاجتماعين العائلي والعشائري القبلي قد قامت وتقوم دائما على رهان أخلاقي فإن رهانات الاجتماع المدني هي رهانات متغيرة تبعا للتغير في نوع القَرَابة، ونمط الدولة متغير تابع لهذا الرهان. فكلما تغير رهان الاجتماع المدني على التهدئة وحفظ نوعه تغير تبعا لذلك نمط الدولة المعبرة عن نظامه وانتظامه.
رهان الاجتماع المدني:
السؤال الجوهري هنا: على ماذا راهنت الاجتماعات المدنية لتضمن لنفسها التهدئة العامة التي حققت لأفرادها وجماعاتها الأمن الداخلي والسلام والاطمئنان على نوعها ومكنتها من الانخراط في تشييد العمران وإبداع الحضارات القديمة والوسيطة والحديثة؟ سيجيب أكثر الناس: راهنت على الدولة باعتبارها التنظيم السياسي للمجتمع، كونها هي التي تسن القوانين الملزمة للناس، وهي التي تملك أدوات القسر والإكراه الضامنة لاحترامها من قبل الأفراد والجماعات. لكن الحقيقة إن الدولة ليست هي الرهان.
إن الحديث عن الرهان ليس حديثا عن الدولة وإنما عن مكوِّن جوهري في الدولة هو الذي يصوغ نمطها ونوع علاقاتها بالاجتماع المدني. فالرهان هو “عقد اجتماعي” ضمني لم تتوفر شروط كتابته إلا في مرحلة متأخرة من تطور الدولة توفرت فيها فعليا – وليس نظريا – شروط التزامها وإلزامها بهذا العقد كمؤشر على بدايات نضجها المدني. والعلاقة بين الرهان ونمط الدولة علاقة سببية يبرز فيها نمط الدولة كمتغير تابع لمتغير مستقل هو رهان الاجتماع المدني. وكلما تغير مضمون الرهان تغير نمط الدولة وتغيرت قوانينها. فالدولة لا تستطيع سن قوانين مصادمة صراحة لرهان الاجتماع المدني. كما ليس بمقدور رأس الدولة – مهما كان طغيانه وجبروته وقوة عصبيته – أن يأتي بقول أو فعل يصادم هذا الرهان صراحة. والفروق التي نراها بين المصري القديم الذي يؤله الملك -الفرعون، والمسلم الوسيط الذي لا يجيز الخروج على الحاكم الظالم إلا إذا ظهر منه كفر بواح، وكذا الأوروبي الحديث الذي يعتبر رئيس الدولة موظفا عموميا ملزما باحترام القوانين مثله مثل أي مواطن، هي فروق بين الرهانات التي قام عليها الاجتماع المدني في مصر القديمة والعالم الإسلامي الوسيط وأوروبا الحديثة.
إننا هنا أمام ثلاثة أنواع من الاجتماعات المدنية اختلفت في نوع القَرَابة وفي نوع الرهان المطابق لها، وتبعا لاختلاف الرهان اختلفت العلاقة بين الحاكم والمحكوم، واختلاف هذه العلاقة يعبر عن نشوء فروق جوهرية طرأت على نمط الدولة في الحالات الثلاث؛ وهذا يعني إن الحديث عن الدولة المدنية هو في المقام الأول حديث عن قَرَابة ورهان اجتماعها المدني المختلف نوعيا عن قرابات ورهانات الاجتماعات المدنية-القديمة-السابقة عليه. وأبرز ما يميز رهان الاجتماع المدني الحديث في ظل الدولة الحديثة هو أنه لأول مرة في التاريخ يصبح رهانا مكتوبا في صيغة عقد اجتماعي عقلاني ملزم لطرفيه.
الرهان وعلاقته بالنظام المعرفي السائد:
قلنا إن نمط الدولة هو متغير تابع لمتغير مستقل هو (رهان الاجتماع المدني على التهدئة وحفظ النوع). فكلما تغير الرهان تغير نمط الدولة تبعا لذلك. ولمعرفة الكيفية التي يتغير بها الرهان علينا ملاحظة حركة خمسة متغيرات مترابطة سببيا ومرتبة زمنيا ومنطقيا على النحو التالي:
1 – متغير التحولات في البناء التحتي للمجتمع (الوجود الاجتماعي).
2 – متغير التحول في النظام المعرفي (الوعي الاجتماعي)
3 – متغير المشترك القرابي الذي يقوم عليه الاجتماع المدني.
4 – متغير الرهان الذي استقر عليه الاجتماع المدني لحفظ النوع وضمان التهدئة العامة.
5 – متغير نمط الدولة “المطابق” لرهان الاجتماع المدني.
وكل متغير هو نتيجة منطقية للمتغير السابق عليه وسبب أصيل للمتغير اللاحق له. أما المتغير رقم واحد فله أسباب ومحركات تقع في صلب اهتمام التفسير الاقتصادي للتاريخ الذي أكد على أن “أسلوب إنتاج الخيرات المادية هو العنصر الحاسم في تطور المجتمعات البشرية والتحولات النوعية التي تطرأ على بناها التحتية ووجودها الاجتماعي”. وطبقا لهذا التفسير: ” كل وجود اجتماعي ينتج وعيه الاجتماعي الخاص به والمطابق له”. ويشير ” الوعي الاجتماعي ” هنا إلى “النظام المعرفي” الذي يصوغ عقل الإنسان بما هو أداة التفكير والاستدلال والمحاكمات العقلية، أي بما هو فاعلية متحركة ومتغيرة، وليس مجرد وعاء للمعلومات والحقائق والمعارف؛ والعقل بهذا المعنى متغير تابع لمتغير الثقافة التي يتشكل فيها وبها النظام المعرفي. وتبعا للتحولات التي شهدتها البنى التحتية للمجتمعات البشرية عرف تاريخ الإنسان أربعة أنظمة معرفية تنتمي إلى أربعة عصور توالت في التاريخ على النحو التالي:
1 -النظام المعرفي لعصر الأسطورة (التفكير الأسطوري).
2 -النظام المعرفي لعصر الإيمان (التفكير الديني).
3 -النظام المعرفي لعصر العقل (التفكير الفلسفي).
4 -النظام المعرفي لعصر العلم (التفكير العلمي).
وسوف نلاحظ أن الاجتماع المدني في كل عصر من هذه العصور قام على قَرَابة مختلفة أنتجت رهانا مختلفا ونمط دولة “مطابق” للرهان؛ ومعنى ذلك إننا أمام أربعة أنماط من الدول هي على التوالي:
1 – نمط الدولة العبودية في عصر الأسطورة (الدولة الفرعونية أنموذجا).
2 – نمط الدولة الاقطاعية في عصر الإيمان (الامبراطورية الرومانية المقدسة والخلافة الإسلامية أنموذجان).
3 – نمط الدولة في عصر العقل (الدولة القومية في أوروبا الحديثة أنموذجا).
4 – نمط الدولة في عصر العلم (الدولة الحديثة في الغرب المعاصر أنموذجا).
والملاحظ هنا أننا نفرِّق في الدولة بينها كثابت وبين نمطها كمتغير بتغير العصور. فنمط الدولة في كل عصر يكون بالضرورة “مطابقاً” لقَرَابة ورهان الاجتماع المدني في ذلك العصر. وقد وضعنا كلمة “مطابقا” بين مزدوجين لنعطي المفردة معنى ليس هو بالدقة معناها الدلالي المباطن لها. إن ما نقصده بمطابقة الدولة لرهان الاجتماع المدني هو دخول هذا الرهان كعنصر جوهري في مكوِّنات كيانها يستحيل عليها بدونه أن تكون لها الشرعية التي تحتاجها لإضفاء المشروعية على تصرفاتها؛ فالرهان هو ما يريده الاجتماع المدني من الدولة وما يتوقعه منها كعقد اجتماعي ضمني في ظل النظام المعرفي الذي يمارس السلطة على العقل الجمعي. لكن هذا لا يعني أن الدولة كانت دائما صارمة في تقيدها بهذا الرهان؛ فالغالب عليها هو التحايل عليه مادامت دولة قهرية ومتعالية على المجتمع.
ولمقاربة هذا التحايل نستحضر القاعدة الفقهية الشهيرة عند المسلمين السُّنة التي تقول بعدم جواز الخروج على الحاكم الظالم إلا إذا ظهر منه كفر بواح؛ فالكفر البواح هنا هو إعلان خروج على رهان الاجتماع المدني الذي قام على إجماع ديني. وهذا من المستحيل أن يحدث، لأنه يتجاوز “الخيانة العظمى”، حسب التعبير المعاصر إلى تهديد كيان المجتمع ومعنى وجوده، وعلى افتراض حدوثه فإن الحاكم لن يفقد شرعيته فقط، وإنما حياته أيضا؛ ولهذا لم يفعل الفقهاء الذين صاغوا تلك القاعدة شيئا، من الناحية العملية، سوى أنهم كرسوا شطرها الأول (عدم الخروج على الحاكم الظالم)، أما شطرها الثاني (إلا إذا ظهر منه كفر بواح) فليس له أي قيمة عملية غير الاحتيال على الاجتماع المدني لتمرير وتبرير الشطر الأول. إننا مع هذه القاعدة أمام مقايضة قامت على إقناع الاجتماع المدني بالصبر على ظلم الحاكم مقابل أن يُظهر الحاكم التزامه الشكلي باحترام رهان الاجتماع المدني.
إن القاعدة الفقهية المذكورة هي صياغة متحايلة على رهان الاجتماع المدني قياسا إلى الصياغة التي قدمها الخليفة الأول أبو بكر الصديق –رضي الله عنه- عندما قال:” أطيعوني ما أطعت الله فيكم”. فالصدِّيق هنا اعتبر الظلم من الحاكم خروجا على طاعة الله، أي خروجا على رهان الاجتماع المدني. ومن الصعب أن نفسر هذا التحايل تفسيرا موضوعيا ما لم ندرك أن صياغة الصدِّيق صدرت عن حاكم كان أثر العقيدة عليه أقوى من أثر الدولة التي كانت في طور تأسيسها المبكر ولم تكن حينها قد انتهت من فرض منطقها على محيطها المكتظ بالعصبيات القبلية السابقة عليها. بينما القاعدة الفقهية المذكورة صيغت في وقت كانت فيه العصبيات العشائرية القبلية قد سطت على الدولة وصادرتها وحولتها إلى قوة قهرية متعالية على المجتمع.
لكن حتى في حال تعالي الدولة فإنها لا تستطيع أن تتجاهل رهان الاجتماع المدني الذي صاغ نمطها. والفقهاء الذين أخرجوا تلك القاعدة كانوا قد تشكلوا كطبقة وسيطة بين الاجتماع المدني والدولة. وصار لهذه الطبقة دور مزدوج. فهي “الحارسة” لرهان الاجتماع المدني والمعبرة عنه، من ناحية، وهي، من ناحية ثانية، تعمل على ترويض الاجتماع المدني وتكييف رهانه لصالح تعالي الدولة وجنوحها إلى القهر. وهذا الدور المزدوج يعبر عن علاقة تلازم ضرورية بين نشأة هذه الطبقة وبين تعالي الدولة. فبدون تعالي الثانية يتعذر نشأة الأولى على النحو الذي ظهرت فيه لتؤدي ذلك الدور في تاريخ دولة المسلمين.
إن الدولة لا تتعالى إلا عندما تؤول سلطتها العليا إلى حاكم متغلِّب يرى في رهان الاجتماع المدني قيودا تكبله ويحتاج إلى مفاتيح لفك مغاليقها والتحلل منها. وطبقة رجال الدين هي بحكم الاختصاص من يملك هذه المفاتيح. ولهذا لم يكن لهذه الطبقة وجود في عهد الصدِّيق الذي تربى في مدرسة النبوة، وصاغت العقيدة عقله وضميره فكان هو نفسه الحاكم والمعبر عن رهان الاجتماع المدني في عصر الإيمان. واجتماع هاتين الصفتين في شخصه هو أساس شرعيته. أما الحاكم المتغلب في تاريخ المسلمين فقد احتاج إلى طبقة متخصصة تضفي عليه الشرعية التي يحتاجها. وهذه الطبقة لا تستطيع أن تنهض بهذا الدور ما لم تكن قد تبوأت المكانة التي يقبل بها الاجتماع المدني في عصر الإيمان، أي ما لم تكن قد تحولت إلى (إكليروس)(1). وهذه الطبقة تقابلها في الديمقراطيات العريقة طبقة كبار المثقفين التي يمحضها الاجتماع المدني كل احترامه لدفاعها عنه في مواجهة أي انحراف للدولة عن العقد الاجتماعي.
إذا عدنا إلى العصور الأربعة سالفة الذكر: عصر (الأسطورة؛ الإيمان؛ العقل؛ العلم) سنلاحظ أن الغرب المعاصر عبَرَ العصور الثلاثة الأولى وتجاوزها إلى العصر الرابع. ومعنى ذلك أنه عرف أربعة أنماط من الدول آخرها الدولة الحديثة؛ وهذه الدولة تحديدا هي ما نطلق عليها تجاوزا الدولة المدنية. وهي وحدها، من بين أنماط الدول السابقة عليها، الدولة التي قامت فعلا على المطابقة بينها وبين رهان الاجتماع المدني. ورهان الاجتماع المدني في هذه الدولة أصبح عقدا اجتماعيا مكتوبا في صيغة دستور تعززه ثقافة مجتمعية عقلانية.
تأسيسا على ما تقدم يلاحظ أن مدنية الدولة بالمعنى المتداول اليوم هي “عملية” بدأت فعليا مع عصر العقل ولم تكتمل إلا في عصر العلم. وليس صحيحا الحديث عن دولة مدنية قبل هذين العصرين. ويترتب على ذلك أن العقل والعلم هما مرجعية الدولة المدنية الحديثة. والتفكير في الدولة المدنية في ظروف اليمن – والعالم العربي عموما – لن يستقيم ما لم يبدأ من البحث عن إجابات عن الأسئلة الآتية:
1 – إلى أي عصر معرفي ننتمي-نحن اليمنيين المعاصرين-من بين العصور الأربعة المذكورة (الأسطورة؛ الإيمان؛ العقل؛ العلم)؟
2 – ما نوع القَرَابة التي يقوم عليها اجتماعنا المدني؟ هل هي الأخوة في العقيدة أم هي الأخوة في الوطن؟ هل نحن في نظر الدولة المدنية التي نريدها “مؤمنون” أم “مواطنون”؟
3 – ما هي الرابطة التي تجمعنا في نظر الدولة المدنية التي نريدها؟ هل هي الرابطة الدينية التي تشكل المجال الديني، أم هي الرابطة الوطنية التي تشكل المجال السياسي؟ وهل الخلط بين هذين المجالين يعطي دولة مدنية؟
4 -على ماذا نراهن من أجل حفظ النوع وضمان التهدئة العامة التي بدونها تتعذر التنمية والانخراط في العمران؟ هل نراهن على “الإيمان الديني” أم على حرية اعتقاد كل فرد مع خضوع كل الأفراد لقانون واحد”؟
5 -ما هو النظام المعرفي الذي يمارس سلطته على عقولنا وطرائق تفكيرنا واستدلالاتنا ومحاكماتنا؟ وهل هو نظام معرفي واحد أم أكثر من نظام؟
6 – هل سجالنا الراهن حول الدولة المدنية هو سجال داخل عصر معرفي واحد؟ أم هو سجال بين أكثر من عصر؟
باحث يمني.
(1) الإكليروس: هو النظام الكهنوتي الخاص بالكنائس المسيحية، ظهر في القرن الثالث الميلادي.
(*) نُشر هذا الموضوع في العدد الرابع لمجلة الناصية.
رابط تحميل العدد:
https://drive.google.com/file/d/1m0_38gYbfJlGJJXa5ZXszu7Ojza6JsBm/view?usp=sharing
